والالتزام بأوامره ونواهيه على الخط المستقيم ، الذي يمثله خط الرسالات الذي يبدأ من الله ويسير معه وينتهي اليه ، في هذه الأجواء النابضة بالروح الخاشع أمام الله والمتحرك في سبيله ، نلتقي بإبراهيم النبي الذي انفتح على الله بكل روحه وعقله وحياته ، في موقع المشاعر الذاتية ، وفي ملتقى المسؤوليات الكبيرة في الحياة.
إنه الإنسان ـ النموذج ، الذي يرجع إلى الله في كل صغيرة وكبيرة ، ويبتهل إليه لمواجهة صعوبات الحياة ، ومشاكل العمل ، واهتزاز الخطى في الطريق ، وهو لا يحمل همّا للذات ، بل كل همّه الرسالة ، ولا يتعقّد من سيطرة الهموم المتنوعة عليه ، بل ينفتح على الله في همومه ، ليخفف منها ويعود حرّا طليقا بعيدا عن كل الأغلال النفسية التي تقيّد حرية انطلاق الروح في رحاب الله. إنها قصة السائرين مع الرسالة ، فلا مشكلة لهم مع الناس إلا من خلال حركة الرسالة في الحياة ، وهذا ما تمثله قصة إبراهيم على أكثر من صعيد.
* * *
دعاء إبراهيم
(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً) ، وذلك بعد أن وضع الحجر الأساس لبناء هذا البلد ، وهو مكة ، وأقام فيه البيت الحرام ، ليكون المنطلق للمجتمع الجديد الذي يلتقي به من قاعدة الإيمان بالله ، وتوحيد العقيدة والعبادة له. ولم يفكر في البداية إلا في الطابع الروحي الذي يريد أن يصبغ هذا البلد ، ويميّزه عن بقية البلدان ، فقد أراده أن يكون بلد سلام يشعر فيه الناس ، مع كل خلافاتهم ونزاعاتهم ، بالأمان بين يدي الله ، فلا يعتدي إنسان على آخر ، بل يعيش تجاهه أحاسيس السلام الروحي القادم من الله ، من خلال الممارسة بإشاعة جو السلام وتشريع تحريم القتال فيه.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
