يكون كل عرش كبعضه فيكون متبعضا. واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال إنّ آية الاستواء من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله وهذا قول مالك بن أنس وفقهاء المدينة والاصمعيّ. وروي أن مالكا سئل عن الاستواء فقال : الاستواء معقول وكيفيته مجهولة والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب. ومنهم من قال إنّ استواءه على العرش فعل أحدثه في العرش سماه استواء كما أحدث في بنيان قوم فعلا سماه إتيانا ولم يكن ذلك نزولا ولا حركة وهذا قول أبي الحسن الأشعري. ومنهم من قال : إنّ استواءه على العرش كونه فوق العرش بلا مماسة وهذا قول القلانسي وعبد الله بن سعيد ذكره في كتاب الصفات. والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه الآية على معنى الملك كأنه أراد أن الملك ما استوى لأحد غيره. وهذا التأويل مأخوذ من [قول] العرب : ثل عرش فلان إذا ذهب ملكه وقال متمم بن نويرة في هذا المعنى :
|
عروش تفانوا بعد عزّ وأمّة |
|
هووا بعد ما نالوا السّلامة والبقاء |
وأراد بالعروش ملوكا انقرضوا. وقال سعيد بن زائدة الخزاعي في النعمان بن المنذر :
|
قد نال عرشا لم ينله خائل |
|
جنّ ولا إنس ولا ديّار |
وأراد بالعرش الملك والسلطان. وقال النابغة :
|
بعد ابن جفنة وابن هاتك عرشه |
|
والحارثين يؤمّلون فلاحا |
وأراد بهاتك عرش ابن جفنة سالب ملكه فصح بهذا ، تأويل العرش على الملك في آية الاستواء على [ما] بيناه والله الموفق للصواب.
