كون الشيء حيا أو ميتا في حالة واحدة وإن لم يتم مرادهما ظهر عجزهما وإن تم مراد أحدهما دون الآخر ظهر عجز الذي لم يتم مراده والعاجز لا يكون إلها فإن قيل فما أنكرتم أن لا يختلفا في المراد؟ قيل إذا كانا مختارين ولم يكن أحدهما مكرها على موافقة صاحبه في مراده أمكن الخلاف بينهما [ولو كان كل واحد منهما مضطرا إلى موافقة الآخر في المراد كانا مقهورين ولم يجز أن يكونا إلهين وإذا صح اختلافهما في المراد مع التمانع بينهما وفي صحته صحة عجزهما أو عجز أحدهما فلا يصح كون الإله عاجزا] وفي جواز ذلك جواز ظهور عجز أحدهما ومن جاز عجزه لم يكن إلها. وهذه الدلالة لا تستمر على أصول القدرية لأن البغداديين منهم زعموا إن الصانع ليس بمريد على الحقيقة وإنه يفعل لا بإرادة فلا ينفصلون من الثنوية إذا قالوا لهم ما أنكرتم من صانعين قديمين لا يختلفان في المراد لأنهما غير مريدين كما زعمتم أن القديم الواحد فاعل لأفعاله بغير إرادة. وأما البصريون منهم زعموا أن الله مريد بإرادة حادثة لا في محل فلا ينفصلون ممن قال بصانعين إرادة كل واحد منهما لا في محل والإرادة إذا لم تكن في محل لم تختص بأحدهما وصارا بها مريدين ولم يختلفا في الإرادة والمراد ، وليس لهم أن يقولوا إنّ الإرادة تختص بفاعلها لأن الإنسان قد يريد بإرادة يخلقها الله عزوجل فيه فيكون هو المريد بها دون فاعلها [ولم يصح لهم مع تمسكهم بأصولهم الاستدلال بدلالة التمانع على توحيد الصانع] ويقال للثنوية إذا نسبتم الخيرات والصدق إلى النور والكذب والشرور إلى الظلام (١) فأخبرونا عمن سألناه عن نفسه من هو؟ فقال أنا ظلام شرير من هذا القائل؟ فإن زعموا أنه الظلام فقد نسبوا الصدق إليه وإن زعموا إنه النور فقد نسبوا الكذب إليه وبانت مناقضتهم فيه.
__________________
(١) [فإنا نسألهم عمن جنى جناية ثم تاب واعتذر الى المجني عليه وقال : قد أخطأت وتبت ، فإن زعموا ان هذا القول من فعل النور الذي في بدن الإنسان بزعمهم نسبوا النور الى الكذب ، لأن النور عندهم ما جنى فيكون قوله : جنيت وأخطأت كذبا ، وإن زعموا ان ذلك من فعل ما في البدن من الظلمة بزعمهم قيل لهم : هو صدق الظلام؟ وعندكم لا يصح منه الصدق ، وسألنا أيضا عن قول القائل : انا الظلام الشرير ، من القائل ذلك؟ فإن قالوا الخ].
