المسألة الأولى من هذا الأصل
في حكم الكفرة الذين لا يؤخذ منهم الجزية
اختلفوا في الفرق بين من يؤخذ منه الجزية وبين من لا يقبل منه : فقال أبو حنيفة : إنها مقبولة من كل من بذلها من الكفرة إلا مشركي العرب فإنها لا تقبل منهم.
وقال الشافعي : إنّها لا تقبل إلا من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى والصابئون والسامرة. ولما وجد السلف مختلفين في المجوس جعلهم في الجزية كأهل الكتاب وفي النكاح والذبيحة كأهل الأوثان وجعل ديتهم خمس دية اليهود والنصارى ودية اليهود والنصراني ثلث دية المسلم عنده. وإذا صحت هذه المقدمة فالكفرة الذين لا تؤخذ منهم الجزية ويقتلون إن لم يسلموا ولم يكن لهم أمان خمسة عشر صنفا :
أحدها السوفسطائية الذين قالوا لا علم ولا حقيقة لشيء وفيهم من قال لا أدري هل للأشياء حقائق أم لا حقائق لها. وفيهم من زعم أن حقائق الأشياء تابعة للاعتقادات وكل من اعتقد شيئا فهو على دين صحيح وما اعتقده على ما اعتقده دهريا كان أو موحّدا. وهؤلاء يلزمهم تصحيح قول نفاة الحقائق لأنهم قد اعتقدوا ذلك. ويقال لنفاة الحقائق منهم هل لنفي الحقائق حقيقة؟ فإن قالوا نعم ، ناقضوا قولهم : لا حقيقة. وإن قالوا : لا ، قيل إذا لم يكن لنفيها حقيقة فلإثباتها حقيقة.
والصنف الثاني منهم الدهرية الذين زعموا أن العالم قديم على صورته التي هي عليه في أرضه وهوائه وسمائه ونجومه وإنه لا إنسان إلا من نطفة ومن إنسان قبله لا إلى نهاية ولا سنبلة إلّا من حبّة وسنبلة قبلها. وفيهم من قال بهذا المذهب وزعم مع ذلك أن الأرض تهوي أبدا ولزمهم على هذا الأصل أن لا يلحق الحجر المطروح الأرض لأن الخفيف لا يلحق ما هو أثقل منه في انحداره إن لم يكن للأثقال وقفة.
والصنف الثالث منهم السّمنيّة وقولها في العالم كقول الدهرية وزادوا عليهم
