تفرقوا فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض : لا نبرح حتى نتعاهد ألّا نعود. فتعاهدوا على ذلك ، ثم تفرقوا ..
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته ، فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك في ما سمعت من محمد؟ فقال : يا أبا ثعلبة ، والله لقد سمعت أشياء أعرفها ، وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس : وأنا والذي حلفت به .. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل ، فدخل عليه في بيته ، فقال : يا أبا الحكم ، ما رأيك في ما سمعت من محمد؟ فقال : ماذا سمعت؟ قال : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاذبنا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منّا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدّقه! قال : فقام عنه الأخنس وتركه (١).
إن هذه الرواية بالإضافة إلى الروايات السابقة ، توحي بأن هناك عقدة مستعصية كانت تعيش في ذهنيات هؤلاء وتمنعهم من الإيمان برسول الله ، فلم تكن قضيتهم قضية كفر ينطلق من فكرة مسيطرة عليهم ، بل من واقع منحرف يفرض نفسه على مواقعهم.
وهناك ـ في نهاية المطاف ـ نقطة مهمة ، وهي أن هذه الآية مكية والسورة مكية ، أما الروايات فموقعها ـ على الظاهر ـ المدينة في معركة بدر.
* * *
القرآن يوجه النبي إلى واقع التحدّيات
(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ
__________________
(١) ابن هشام ، السيرة النبوية ، مؤسسة التاريخ العربي ، بيروت ـ لبنان ، ١٤١٣ ه ـ ١٩٩٣ م ، ج : ١ ، ص : ٣١٥ ـ ٣١٦.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
