(وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) فهي لا تمثل مكانا يقضي فيه الإنسان عمره ، ويستريح فيه من عناء التعب ، بل تمثل القيمة الروحية التي تجعله يعيش السعادة المطلقة في رحاب الله. وبذلك كانت الآخرة خطا للعمل في حركة المتّقين في الحياة الدنيا ، يتحركون ـ من خلاله ـ إلى الله في كل أقوالهم وأفعالهم ، فهو الهدف الذي يحكم كل توجهاتهم وتطلعاتهم ، وهو النور الذي يشرق في قلوبهم ، فيبعث الإشراق في حياتهم ، فإذا فكروا في مواقفهم ، فكروا في انسجامها مع محبّة الله ، وإذا فكروا في الجنة رأوا فيها المظهر لرضى الله ، وإذا فكروا في النار رأوا فيها المظهر لسخط الله. وهكذا يلتقي الخط بالهدف ، وترتبط التقوى بالدار الآخرة. وهكذا نفهم العمل الأخروي شيئا يرتبط بالهدف الكبير للمؤمن ، وهو الله ، وعلى ضوء هذا كانت الصلاة التي يأتي بها المصلي رياء عملا دنيويا ، وكان العمل من أجل العيال عملا أخرويّا ـ تبعا لابتعاد الأول عن الارتباط بالله وارتباط الآخر به.
إن الدار الآخرة حين يعيشها الإنسان في الدنيا من خلال غايات العمل ، (خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) لأنها تعطي لحياتهم معنى وامتدادا في ما يحملونه من وعي روحي عميق ، وهي خير لهم عند ما يتركون هذه الدنيا وينالون جزاء تقواهم ، جنّة عرضها السماء والأرض ، ورضوانا من الله أكبر حيث السعادة المطلقة التي لا حدّ لها وخلودا في النعيم الروحي والجسدي أمام الله.
إن الله يخاطب عقول الناس ، لتتحرك في عملية موازنة ومقارنة بين الدنيا والآخرة ، لتنطلق عملية الاختيار من موقع التفكير ، لا من موقع التقليد والمحاكاة ، بوصفه ـ أي التفكير ـ الأساس الذي ترتكز عليه قاعدة المعرفة الإيمانية ، التي يريد القرآن أن يبنيها في الإنسان.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
