(يَنْهَوْنَ عَنْهُ) هو نهي الناس عن اتباعه و (وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) أي : يتباعدون عنه في موقف الرفض له ولرسالته ، فلا تنسجم مع واقع أبي طالب ـ حسب الرواية : ـ الذي كان ينهى الناس عنه من خلال حمايته له من قريش ، أمّا ينأون عنه فلا تتناسب مع الفكرة التي يريدون تأكيدها عنه ، وهي النأي عن الإيمان به وبرسالته لعدم صحة نسبة النأي عنه إليه بالذات. هذا بالإضافة إلى أن الآية وردت بصيغة الجمع ، وهي بالنسبة إلى أبي طالب في دائرة المفرد.
هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن الدراسة الموضوعية لشخصية أبي طالب ورعايته للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ووعيه الفكري ورجاحة عقله ومستوى درجته الرفيعة في السلم الاجتماعي المكي في زعامته لقريش أو لبني هاشم وأشعاره المرويّة عنه ، كل ذلك لا يتناسب مع رفضه للإيمان برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وبقائه على الشرك ، لو كان مشركا من الأساس ، وهو أمر مشكوك فيه انطلاقا من الجو العائلي الإيماني الذي يحيط ببيت أبيه عبد المطلب.
أمّا الحديث عن خوف الملامة أو محاذرة السبّة ، فهو حديث لا يثبت أمام النقد لأن القضية ليست قضية مربوطة بالواقع الاجتماعي ، بل هي مربوطة بالمصير الأخروي عند الله مما لا يمكن للإنسان الذي يعيش الإيمان بقلبه وعقله أن يبتعد عن الانتماء إليه.
إنّ هذا كله يوحي بأن الإيمان ليس بعيدا عن عقل أبي طالب وقلبه ، ولكن إذا كان هناك من كلام يمكن إثارته في هذا المجال ، فهو أنه كان يكتم إيمانه حماية للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ليستطيع الدفاع عنه أمام قريش التي لم تكن تعتبره مسلما ، وقد جاء في أحاديث أهل البيت عليهمالسلام ما يؤكد ذلك ، وقد جاء في مجمع البيان أنه قد ثبت إجماع أهل البيت عليهمالسلام على إيمان أبي طالب ، وإجماعهم حجة لأنهم أحد الثقلين اللذين أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بالتمسك بهما بقوله : إن تمسكتم بهما لن تضلوا.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
