تكريم الإنسان بجعله خليفة الأرض
وهذه هي الحقيقة الإلهيّة التي تختتم بها السورة في ما أراد الله به أن يمتنّ على عباده بما أتاحه لهم من فرصة الامتداد في الحياة ، وتوفير الإمكانات التي تكفل لهم التحرك في إدارة شؤونها ، في ما تعنيه كلمة الخلافة من مسئوليات عمليّة ، وما توحي به من تكريم للإنسان في دوره الإنساني الفاعل.
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ) وربّما استفاد البعض من هذه الكلمة معنى الجماعات اللاحقة التي تخلف جماعات متقدّمة ، على أساس التتابع التاريخي في حركة الوجود الإنساني ، ولكن ذلك قد لا ينسجم مع ظاهر الآية في توجيه الخطاب إلى الناس كافة بقرينة قوله ـ في ما بعد ـ : (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ) فإن ذلك من خصائص البشر في جميع مراحل حياتهم ، في اختلاف درجاتهم في المواهب والكفاءات الذاتيّة ، وفي القدرات الماليّة والجسديّة ، وفي المواقع الجغرافيّة والاجتماعية والسياسيّة ، وفي غير ذلك من الأمور ، فإن هذا التنوّع في الأوضاع الإنسانية لا يختص بمرحلة زمنيّة عن مرحلة زمنية أخرى ، (لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) والمراد من البلاء هنا ـ في ما يظهر ـ هو الاختبار في ما يتصرّف فيه الإنسان تجاه أخيه الإنسان ، على أساس ما يختلف عنه في تلك الأمور ، فقد يسقط البعض في الامتحان عند ما يستخدم ذلك في كثير من الأجواء الاستعراضيّة التي يتمثل فيها الشعور بالزهو والتكبر والاستعلاء والخيلاء من خلال النظرة الفوقيّة إزاء الناس الآخرين الذين لا يملكون ما يملكه.
وقد ينجح بعض آخر فيه عند ما يعي معنى هذا التنوّع في ما أراده الله من توزيع الأدوار في حركة الإنسان في الوجود ، ليتحقّق التفاعل الإنساني بين الطاقات المختلفة والتكامل بين المواقع والمواقف ، عند ما يقدّم كل واحد من الناس ما لديه لمن يحتاجه ، في مقابل ما يقدّمه الآخر إليه في
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
