(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً) الجن والإنس ، فيوجه خطابه إلى الجنّ الذين كان لهم التأثير الكبير في إغواء بعض الناس وإضلالهم ، في ما كانوا يزيّنون لهم من المعاصي والانحرافات ، فيتبعونهم ويطيعونهم في ما يأمرونهم به وينهونهم عنه (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ) وحشدتم لأنفسكم الكثير من الأتباع منهم ، وهذا هو الظاهر من معنى الاستكثار الذي لوحظ على سبيل الكناية في كثرة التابعين للجنّ من الإنس في ميدان الضلال ، وربما كان المراد من الجنّ ـ هنا ـ الشياطين التي توسوس للناس ، وكأنّ غرض السؤال ـ هنا ـ هو تسجيل الموقف الذي يدينهم أمام الله في ما قاموا به من عمليات الإغواء والإضلال بشكل كبير.
(وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ) وهم الذين كانوا يوالونهم موالاة الطاعة ، ويعتبرون أنفسهم من الأتباع لهم (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ) فكان للجن من الإنس منفعة السيطرة عليهم ، والحصول على ما يحبون لأنفسهم من تنفيذ مخططاتهم الشيطانيّة ، وكان للإنس من الجنّ منفعة الاستمتاع بالشهوات التي اكتشفوها من خلال عملية الإغواء.
وربّما كان هذا الأسلوب لونا من ألوان الدفاع عن الجنّ. حيث إن المسألة كانت مسألة مشاركة في الانتفاع من الطرفين ، وعملية مبادلة في النتائج الذاتية التي حصل عليها كلُّ منهما ، (وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا) فقد أعطيتنا امتداد الحياة ، فخضنا فيها واستمتعنا ، ثم جاءنا الموت الذي كان النهاية لذلك كله.
وربما توحي هذه الفقرة بحالة الاستسلام التي يحسّ بها هؤلاء في موقفهم أمام الله : (قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللهُ) لأنكم عصيتم وتمردتم على الله من دون أن يكون لكم حجة في ذلك. وربما كانت كلمة الاستثناء (إِلَّا ما شاءَ اللهُ) ، واردة في موضوع الخلود في النار ، فقد تكون
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
