والهدى مما تتدخل في إرادة الإنسان واختياره في كثير من الحالات ، ومن خلال ما وهبه إياه الله من مفردات القدرة وإمكانات الاختيار. فيمكن نسبة الفعل إلى الله ، لأنه السبب الأول للأشياء ، كما يمكن نسبته إلى الإنسان ، لأنه السبب المباشر لها. وبذلك يكون التعبير بإرادة الله للهدى ، أو إرادته للضلال على أساس ما أودعه في الكون وفي شخصية الإنسان من السنن التي توحي بالضلال تارة ، عند ما يبتعد الإنسان باختياره عن وسائل الهدى ، وتوحي بالهدى أخرى ، عند ما يقترب الإنسان من عناصر الإيمان.
* * *
جعل الرجس على الذين لا يؤمنون
(كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) والرجس ـ في المفهوم المادي ـ هو القذر ، وقد استعاره للقذارة المعنوية المتمثلة في الكفر والضلال ، لما يستتبعه من الإبعاد عن رحمة الله والقرب من عذابه ، تماما كما هو القذر الذي يستدعي الابتعاد عن الشخص الذي يتلطخ به.
(وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً) وهو الطريق الذي يضج بالحياة ، ويتفايض بالنور ، وينطلق بالإيمان الذي تلتقي فيه نقطة النهاية بنقطة البداية ، في خطّ واحد ، لا التواء فيه ولا انحراف ، بل هي الاستقامة السائرة أبدا في الفكر والشعور والضمير والعلاقات ، ولن يحتاج الإنسان الذي يسير فيه إلى أيّ شيء آخر مما يفكر به الآخرون ، أو يثيرونه أو يشرّعونه ، لأن الله قد بيّن للمؤمنين كل المفردات التفصيلية لكل ما يحتاجون إليه من شؤون الإنسان العامة والخاصة.
(قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) فالمهمّ أن لا يعيش الإنسان الغفلة التي تنسيه عقيدته ومفاهيمه وشريعته ، وتوحي له بالحاجة إلى عقيدة الضلال ومفاهيمه وأحكامه لأن الحقيقة بحاجة إلى من يتذكرها ويعيها من أجل أن يعيش معها ، وينتفع بها ، وينمو ويتطور في حياته من خلالها. ولهذا كانت
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
