جانب المادة وجانب الروح ، ومن التوازن بين شخصية الملاك وشخصية البشر في الإنسان ، وفي الشخصية الفردية والشخصية الاجتماعية له ، وفي المصلحة العامة والمصلحة الخاصة ، وهكذا يتحرّك في حقوق الناس في ما يختلفون فيه ويتفقون عليه ، في حياتهم الداخلية والخارجية ، حتى يشمل التوازن .. وهكذا رأينا القرآن في أكثر من آية يؤكد على العدل في الكلمة والشهادة والحكم والمعاملة وفي الحياة الزوجية ، وفي الصلح بين الناس ، وفي الحرب والسلم وفي كل شيء ، حتى اعتبر القيام بالقسط ـ أي العدل ـ هدف كل الرسالات وكل الرسل.
(لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ) إن التبديل إنما يعرض للأشياء التي تخضع للحدود الزمنية أو المكانية أو تنطلق من الظروف المحدودة أو الخبرة القصيرة النظر ، وتلك هي صفة القرارات والكلمات الصادرة عن الإنسان ، الذي لا يملك النظرة المطلقة البعيدة المدى ، التي لا تتجمد في الحدود الضيّقة ، أمّا الأشياء التي تتحرك من قلب الحقيقة ، في ما تنطلق فيه المصلحة الممتدة المطلقة للإنسان ، بعيدا عن كل خصوصياته الزمانية والمكانية والعرقية والشخصية ، فإنها لا يمكن أن تتبدل أو تتغيّر لأنها تمثل الحق الثابت الذي لا مجال فيه للاهتزاز وللتحوّل ، وتلك هي صفة كلمات الله التامّة التي أراد الله للحياة وللإنسان أن يسيرا عليها من خلال المصلحة الثابتة الممتدة الدائمة ما بقي للحياة حركة ، وما بقي للإنسان وجود.
(وَهُوَ السَّمِيعُ) الذي يسمع كل شيء ، حتى السر وأخفى ، ويسمع وساوس الصدور ، ولا يصمّ سمعه صوت (الْعَلِيمُ) الذي يعلم مفاتيح الغيب ، (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) [الانعام : ٥٩] ويعلم ما يفسد الناس وما يصلحهم ، وما ينفعهم وما يضرّهم ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
