مواجهة الذين يشركون بالله غيره ، لتبقى مجرد فكرة في عقل الإنسان ، تماما كما هي الأفكار العلمية التي تملأه بالنظريات ، ولا تقترب من الجانب العملي المتحرك ، بل يعتبر التوحيد منهجا للحياة يبدأ من خط العقيدة ، لينتهي إلى آخر موقف من مواقف الإنسان الصغيرة والكبيرة ، فلكل كلمة من كلماته خط توحيد ، وخط شرك ، ولكل عمل من أعماله علاقة بالشرك وبالتوحيد حتى النوايا التي ينويها ، والدوافع التي تدفعه ، لها علاقة بذلك كله.
وفي ضوء ذلك ، كانت الحاكمية التي تمثل التي يخضع لها الناس ، ويسلّمون أمرهم إليها ، مظهرا من مظاهر التوحيد والشرك ، حسب اختلاف الرمز والشخص الذي يتحاكمون إليه.
ويطلق رسول الله صيحة الاستنكار لكلّ رموز الشرك ، ليؤكّد موقفه ، التوحيدي لله تعالى ، والراد كل أمر مهما كان ، إليه تعالى ، كسنة تقود العالم وتهديهم في مسيرة حياتهم كلها ، ومن خلال هذا كله يطرح الحاكمية التي تعتبر القاعدة التي يرتكز عليها التوحيد لأنها السر العميق في روحيّة الاستسلام لله ، لأنها تعني أنّ الإنسان لا يستقل بأيّ فكر ، أو حركة أو عمل ، أو انتماء ، بل يرجع ذلك كله إلى الله ، فهو الحكم في كل شيء.
(أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً) وما ذا يمثل غير الله ، مهما كان نوعه ، من قوّة؟ فالله هو القادر والقاهر والحكيم والخبير والخالق والعليم والمنعم ، فكيف أجعل غيره هو الحاكم في أيّ شيء ، وماذا يملك غيره؟! وليست هذه الكلمة كلمة رسول الله فقط ، إنه لم يقلها ليعبّر عن موقفه الذاتي ، بل ليعبر عن موقف الرسالة في موقفه ، فهي لكل إنسان مؤمن يريد أن يواجه قضايا الحياة ، ليقولها بقوّة ، أمام كل الذين يريدون أن ينحرفوا به عن الطريق الحق.
إن آيات الله هي أساس الفكر الذي أحمله ، والعقيدة التي أعتنقها ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
