الناس تعيش في أجواء الكفر ، ولكنها لا تجد القيادة التي تستفيد من هذه الأجواء من أجل الحصول على نتائج كبيرة ، ولا تجد الظروف الموضوعية التي تنمّي فيها قابلية الانطلاق .. فتقف في الظل طويلا تتطلع إلى الفرص القادمة. فإذا جاءها ذلك كله ، تحوّلت إلى حركة قويّة متمرّدة ، في ما تسمع وفي ما تؤيّد وفي ما تعمل .. وتلك هي سنّة الله في الحياة .. في ما أراده من تنظيم للكون في أن يمارس الإنسان عملية الإرادة من موقع الحريّة .. وأن تتحرك الحرية في الأجواء التي تحمل في ساحاتها فرص الهدى .. وفرص الضلال.
* * *
خلق الإرادة الحرة في الإنسان
أمّا كيف يجعل الله لكل نبيٍّ عدوّا ، وكيف ينسجم ذلك مع فكرة الحريّة ، فهذا حديث قد كررنا الإشارة إليه ، في ما ألمحنا إليه وأوضحناه ، في هذا التفسير ، من أن الله عند ما يتحدث عن نسبة أيّ فعل من أفعال الخير أو الشر إلى ذاته المقدّسة .. فإنه لا يتحدث عن ذلك بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر ، يلغي فيه دور الإرادة الإنسانية في الفعل ، بل يتحدث عنه في الإطار العام للخلق في ما أودعه فيه من النظم الكونية والحياتية التي تتحرك في نطاق قانون السببيّة. فلكل فعل سببه الذي لا يوجد إلّا به ، وإذا كانت الإرادة الإنسانية هي أحد أسباب وجود الفعل الإنساني ، فإنها تؤكد عملية الاختيار ولا تلغيها ، وبذلك كانت نسبة جعل الأعداء للنبي إلى الله ، منطلقة من أن طبيعة الرسالة التي أرسلها الله إلى الناس ، تفرض أن يكون لها أناس يؤمنون بها ، وأناس يكفرون بها ، وذلك بالنظر إلى اختيارهم الشخصي في قضية الإيمان والكفر ، مما يجعل القضية مرتبطة بالله من جهة ، من خلال خلقه للإرادة الحرّة في الإنسان ، وبالمكلّف من جهة أخرى ، من خلال مباشرته لعملية الاختيار ، بحريته ، وهذا الأسلوب ليس ببعيد عن عالم الإسناد المجازي في اللغة العربية.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
