وفي ضوء ذلك ، فإن الإخلاص لأيّ رمز من الرموز التي اعتبرها الناس رمزا لحياتهم ولوحدتهم ، لا بد من أن يرتبط بالله ، ليكون الإخلاص له ، من خلال الإخلاص للمعنى الذي يرمز له ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون هذا الرمز ، شخصا أو أرضا ، أو مؤسسة أو وطنا أو قوميّة أو لونا ، فإن الإخلاص في هذه الأمور وغيرها يعتبر نوعا من أنواع الشرك الخفيّ ، إذا لم يتحرك من خط المفاهيم المنسجمة مع خط الله.
إنّنا نخلص لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، من خلال صفة الرسالة فيه ، كما نخلص لأولياء الله من خلال صفة الولاية لله في أنفسهم ، فلا نخلص لذواتهم ، ولا نستغرق في أشخاصهم ، ولذلك فإن طريقة تعبيرنا عن هذه العلاقة ، لا بد من أن تكون منسجمة مع أحكام الله وتعاليمه ، فلا تدفعنا العاطفة إلى أن نمارس من ذلك ما لا يرضى به الله في قول ولا في فعل ، بل يجب أن نقف عند حدوده ـ سبحانه ـ لئلّا تجرّنا العاطفة إلى الغلوّ الذي ينتهي بنا إلى الكفر أو إلى ما يقرب من الكفر ..
ونحن عند ما نقدّس أرضا أو نحترمها ، فإننا لا نقدّس ترابها وحجارتها ، باعتبار أنها تحتوي على الأسرار الخفيّة القدسية الكامنة فيها ، بل نتحرك في ذلك من الخط الشرعيّ الذي تعبّدنا الله بالسير عليه ، في ما تعبّدنا به من احترام أرض معينة ، أو بنيّة معيّنة كما في احترامنا لأرض مكة ، لأن الله جعلها حرما آمنا يأمن فيها الناس على أموالهم ونفوسهم وأعراضهم ، وكما في تعظيمنا للكعبة ، لأنها بيت الله الذي تعبّد خلقه بالطواف حوله والحجّ إليه ، واستقباله في كل مكان في العالم في الصلاة وفي أمثالها ، مما أراد الله استقبال القبلة فيه ، ولذلك فلا بد لنا من الاقتصار على تنفيذ أحكام الله التي شرّعها في ذلك كله.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
