من الله تتجاوز الأسباب والقوانين الطبيعية المتصلة بوجود الأشياء فلو أراد الله أن يبارك للإنسان في رزقه ، فهل يعني ذلك أنه يرزقه من غير أسباب الرزق التي خلقها الله في الحياة أم أنها تتحرك من خلال الأسباب ، بمعنى أن الله سبحانه يحرّك هذه الأسباب لتؤدي دورها في إنتاج الخير للإنسان بالطريقة التي تنسجم مع حاجاته الجسدية والمعنوية وتتحقق بها أغراضه من دون فساد ولا ضياع؟
إنّ تدخّل الله في حركة البركة في حياة الإنسان لا يلغي الأسباب ولا يبطلها عن التأثير ، لأنها جزء من قانونه الذي أودع في داخله سرّ حركة الأشياء ووجودها ، بل إنه يمنحها قوّة وحيويّة وأسبابا خفيّة في بعض الحالات ، فالمسألة ـ كما يقول صاحب تفسير الميزان ـ أن تأثيره تعالى في الأشياء في طول سائر الأسباب لا في عرضها حتى يؤول الأمر إلى تزاحم أو إبطال (١).
فهناك شيء من المادية للبركة في طبيعة الأشياء وهناك شيء من الروحية الإلهية في حركة السببية في داخل أوضاعها وشؤونها.
إن الله سبحانه هو ولي الأشياء ، وهو مبدع نموّها وزيادتها وسعتها في الحسيات والمعنويات ، ولهذا فإن البركة مظهر من مظاهر رحمته ولطفه ورعايته للواقع الإنساني الذي هو أثر من آثار ربوبيته للكون كله وهو القادر على إيجادها بالأسباب الطبيعية وغيرها بحسب حكمته في تقدير الأمور ورعايته للإنسان والحياة.
* * *
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ٧ ، ص : ٢٩١.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
