بالله ، فهو الفقير في وجوده ، وهو الفقير في ما يحقق له استمرار ذاك الوجود في تفاصيل أوضاعه ، فلا حول له ولا قوّة إلا بالله ..
ونرى في هذه الآية كيف أن الله يصوّر له الوضع الذي يبعثه فيه إليه فردا ليس معه أحد ، كما خلقه من العدم وليس معه أحد .. (وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ) وإذا كان قد حصل في وجوده الأوّل على بعض القوة ، في ما يحيط به من الناس القريبين منه أو البعيدين عنه ، أو في ما يملكه من المال ، فإن الله هو الذي أعطاه ذلك ، وأراد له أن يحصل عليه ويتنعم به ، فهو الذي رزقه الإخوان والأولاد ، وهو الذي خوّله المال ... حتى إذا شاءت إرادة الله أن يترك ذلك كله ، ويرجع كما كان من دون مال أو إخوان أخذه إليه أخذ عزيز مقتدر .. فها هو يقف الآن أمام الله ، فردا ضعيفا وحيدا فقيرا لا يملك شيئا ولا يملك أحد أن ينفعه بشيء ، أو يعرف عنه أيّ شيء ..
إن الله يريد للإنسان أن يختزن في ذهنه الصورة ، التي توحي بأن كل شيء لديه هو من الله ، فلا يجوز له أن يفكر بأيّ تصرف ينحرف به عنه ، وبأيّ إنسان يطيعه من دونه ، لأن مثل هذا الإنسان لن يقف معه عند الشدّة ، ولن يجده في موقف القيامة.
وهذا ما أراد الله أن يثيره في ذهن الإنسان من هذه الصورة الأخرويّة التي يشاهد فيها نفسه ، وهو يتلفت يمينا وشمالا ، ليبحث عن هؤلاء الذين أطاعهم ـ في الدنيا ـ في معصية الله ، وخضع لهم ، وتمرّد على الله لأجلهم ممن كان ينتمي إلى خطّهم ، ويسير في طريقهم ، فلا يجد أحدا منهم .. ويأتيهم النداء من الله في أسلوب السخرية والتبكيت : (وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ) في ما تشركونهم به في العبادة ، أو في العقيدة ، فإذا كانوا شركاء ـ كما تزعمون ـ فلا بد لهم من أن يكونوا معكم ، ليمنحوكم الحماية في ما يملكون من القوة .. ولكن الحقيقة المرّة تفرض نفسها عليهم
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
