الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب» (١).
النقطة الثانية : إن إبراهيم عليهالسلام كان يعيش التأملات الفكرية والروحية التي كانت تتحرك في ذاته بما يشبه القلق الباحث عن الحقيقة ، فقد بدأ بالتعبير عن الضيق النفسي الذي أحسّ به بعد أفول الكوكب ، في براءة طفولية رافضة لهذه الظاهرة التي تغيب وتفقد نورها فلا تملك العنصر الذي تتميز به الربوبية في معناها المرتكز في ذهنه.
ثم كان الرفض الثاني لربوبية القمر الذي بهره نوره الهادىء فقال ، وهو يعيش الحيرة القوية التي يخاف منها على نفسه من الضياع إذا لم يبلغ حقيقة اليقين : (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) وانطلق الرفض الثالث لربوبية الشمس في النتيجة النهائية الحاسمة التي تحوّل فيها القلق إلى اقتناع ببطلان ربوبية هذه الظواهر الكونية ، فلا مجال لإدخالها في فرضية الإله لتبقى الحقيقة الوحيدة التي تفرض نفسها على العقل والوجدان من حيث إنها فرضت نفسها على الوجود كله وهي الله الواحد الذي لا شريك له ، ولذلك قال في صرخة الوصول إلى الحقيقة : (قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً) فهو وحده الذي خلق الكون كله ، ولذلك فإنه ـ وحده ـ الذي لا بد من أن يتوجه الخلق إليه بالعبادة والطاعة والخضوع.
وهكذا انطلق التوحيد إبراهيميا فكان (مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) [البقرة : ١٣٥] لأنه تحرك في الوجدان من خلال المعاناة الفكرية والشعورية التي طرحت عن الإنسان كل الحواجز التي تحجزه عن اكتشاف الحقيقة من خلال الفطرة الصافية الكامنة في النفس التي توحي بالتوحيد ورفض الشرك.
* * *
__________________
(١) الزمخشري ، أبو القاسم ، محمود بن عمر الخوارزمي ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، بيروت ـ لبنان ، ج : ٢ ، ص : ٣٢.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
