أمّا الاحتمال الأوّل ، فقد يقرّبه القائلون ، أن تكون الحادثة قد حصلت في بداية طفولته ، عند ما بدأ يتطلع إلى الأشياء ، ويتأمل في الخلق. ولعل هذا هو الذي نستوحيه من الجو النفسي الساذج الذي توحي به الآية. فهذا هو إبراهيم يواجه الكوكب البعيد في السماء ولكنه يشرق في قلب الظلام ، فيشعر بالرهبة والروعة ، فيصرخ ـ في هذه مثل اللهفة ـ (هذا رَبِّي) ، انطلاقا مما كان يسمعه بأن الإله بعيد بعيد عن الإنسان ، فلمّا أفل أحس بالانقباض وقال : (لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) ، فقد نجد في كلمة (لا أُحِبُ) بعض كلمات الطفولة البريئة ، التي تحبّ أو لا تحبُّ من خلال مشاعرها الساذجة إزاء الأشياء ، وتتكرر التجربة مع القمر ، وتنطلق الصرخة الطفولية من جديد ، تماما كمثل الهتاف الذي يهتف به الطفل عند ما يجد شيئا قد أضاعه ، أو شيئا قد طلبه .. وتتكرر خيبة الأمل من جديد.
ولكن الوعي يتنامى هنا ، فلا نجد ردّ الفعل طفوليا ، بل نلاحظ في ردّة الفعل حالة حيرة وذهول وتوسّل إلى هذا الرب المجهول الذي يتمثله في وعيه هاديا لعباده ، أن يهديه إلى الحق لئلا يكون من القوم الضالين .. وتشرق الشمس في هذا الدفق اللاهب من النور الذهبي في إطار هذا الوجه الواسع الذي يتفايض بالشعاع كما يتفايض الينبوع بالماء الصافي الرقراق ، فتكبر الصرخة في طفولية ظاهرة : (هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ) ويكون الاعتبار هذه المرة للحجم ، في ما لا توحي به إلا أفكار الطفل أو ما يشبه الطفل ، لأن الأشياء الكبيرة توحي للفكر الساذج بالهيبة والعظمة ، بما لا توحي به الأشياء الأقل حجما .. وتتجدد خيبة الأمل بالأفول ، ولكن تلك الإشراقة الساطعة للشمس استطاعت أن تبعث في قلبه إشراقة الإيمان الرافض لكل هذه الأوهام والظنون ، هذه هي وجهة نظر هؤلاء ، ولكننا قدمنا أن الاحتمال الثاني أقرب لأن حديث القرآن عن إبراهيم عليهالسلام لا يوحي بشيء من هذا القبيل ، مما يدل على أنه كان موحدا بالفطرة منذ البداية.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
