محاكاة استعراضيّة للأجواء المحيطة به ، في ما يعتقده الناس من ألوهية الكواكب والقمر والشمس ، في محاولة إيحائية لمن حوله بسخافة هذه العقائد وتفاهتها وضعفها أمام المنطق الوجداني الصافي ، وذلك من موقع ابتعاده عنها بعد اقترابه منها ، مما يعطي لموقفه بعض القوّة في الإيحاء ، باعتباره الموقف الذي عاش التجربة وعاناها ، ثم تمرّد عليها؟
إننا نعتقد أن هذا هو الرأي الأقرب الذي يلتقي مع شخصية إبراهيم عليهالسلام في ما حدثنا القرآن عن حياته ؛ فنحن لم نلمح ـ في غير هذه الآية ـ حالة تأثره بالجوّ المحيط به ، بل ربما نرى الأمر ـ بالعكس من ذلك ـ حالة تمرّد على البيئة حتى في ما يتعلق بالجو العائلي المتمثل في أبيه الذي نقل لنا القرآن موقف إبراهيم عليهالسلام منه ، وقد نستطيع استيحاء الآية السابقة التي حدثنا القرآن فيها عن كلام إبراهيم لأبيه حول الأصنام التي يعبدها أن هذا الموقف سابق لموقفه من هذه العقائد .. هذا بالإضافة إلى أن الرؤية التي حدثنا الله عنها لملكوت السموات والأرض ، لا بدّ من أن تكون الرؤية الوجدانية الواعية التي تحاول أن تثير التفكير من خلالها وليست الرؤية البصرية الساذجة ، لأنها تبدأ مع الإنسان منذ اللحظة التي يفتح فيها عينيه على الحياة ليتطلع إلى ما فيها من موجودات يدركها البصر.
وربما كانت كلمة (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) إشارة إلى ذلك ، لتلتقي بكلمة (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة : ٢٦٠] مما يوحي بأن إبراهيم كان يعيش حركة الفكر الذي يريد أن ينمي من خلاله أفكاره وإيمانه ، بكل الأشياء التي تركز للفكرة قوّتها وفاعليتها وثباتها وحركتها أمام التحديات التي تواجهها ، حتى في ما يشبه الأوهام ، ليواجه الصراع الذي يعيشه ، بانفتاح وقناعة وقوّة لا تعرف الضعف ولا التراجع في كل المجالات.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
