الكواكب والقمر والشمس في ما خيّل له ، في وقت من الأوقات ، أنه الحقيقة المطلقة التي لا يعتريها شك ولا ريب : (فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) من هذه المخلوقات التي انطلقت من العدم ، ولا يزال العدم يعشش في كل حركة من حركاتها ، أو خطوة من خطواتها ، وتمرّد على كل هذه الاتجاهات الإشراكية لأن الله لا يمكن أن يكون هذه الأشياء المحدودة ، بل لا بد من أن يكون شيئا أعظم من ذلك وأكبر ، في القوّة والقدرة: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً).
وهكذا تدفّقت إشراقة الإيمان في وعيه وفي قلبه ، فأحسّ بأن الله هو شيء لا كالأشياء لأن الأشياء نتاج قدرته .. وأدرك أن الله لا يحسّ كما تحس الموجودات الأخرى بالسمع والبصر واللمس ، ولكنه يدرك بالعقل والقلب والشعور ، من خلال كل هذه المخلوقات التي تحيط بالإنسان في الكون الكبير ، من السموات والأرض وما فيهن وما بينهن ، فتترك لديه انطباعا بأن الله هو الذي فطرها وأوجدها ، ومن خلال هذه الانطلاقة الإيمانية الرائعة التي أحس معها بالراحة والطمأنينة والانفتاح ، وقف ، بكل كيانه ـ ليحوّل كل وجهه ـ والوجه هنا كناية عن الذات بجميع التزاماتها وعلاقاتها وتطلعاتها ـ إلى الله ، حنيفا ، مخلصا مائلا عن خط الانحراف ، فهو وحده الذي تتوجه إليه العقول والقلوب والوجوه بالخضوع والطاعة المطلقة ، بإحساس العبوديّة ، وحركة الإيمان ، الذي يعلن هذا التوحيد بما يشبه الصرخة الهادرة الرافضة لكل الوجودات المحدودة ، التي تتألّه أو التي يحسبها الناس في عداد الآلهة : (وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
* * *
رحلة الإيمان
هل هي الرحلة الأولى في طريق الإيمان ، لدى إبراهيم ، أو هي
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
