معصومون عن الخطأ ومصونون عن النسيان ، لا في قضايا الأحكام وحدها ، بل حتى في القضايا العادية.
وقد استقربنا في الاستدلال على العصمة أن المسألة تنطلق من وعي مسألة النبوة ودور النبي ، فإن النبي ليس ساعي بريد ليحمل الرسالة ويبلّغها للناس وتنتهي مهمته عند ذلك الحدّ ، بل هو إنسان أرسله الله ليغير العالم بالحق على مستوى النظرية والتطبيق في الأمور الشرعية والعادية ، كما أن النبوّة تتحرك في هذا الاتجاه ، الأمر الذي يفرض كون النبي حقا كله ، فلا يعرض الباطل لفكره ولعاطفته ولقوله وفعله وعلاقاته ومواقفه في شؤون الحياة والإنسان ، مما يجعل النبي معصوما كاملا شاملا نتيجة لذلك كله ، وقد ذكر العلامة الطباطبائي قدسسره تعليقا على هذه الآية : (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ ...) قال : والخطاب في الآية للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والمقصود به غيره من الأمة ، فقد تقدم في البحث عن عصمة الأنبياء عليهالسلام ما ينفي وقوع هذا النوع من النسيان ـ وهو نسيان حكم إلهي ومخالفته عملا بحيث يمكن الاحتجاج بفعله على غيره والتمسك به نفسه ـ عنهم عليهالسلام. ويؤيد ذلك عطف الكلام في الآية التالية إلى المتقين من الأمة حيث يقول : (وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) إلى آخر الآية.
وأوضح منها دلالة قوله تعالى في سورة النساء : (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) [النساء : ١٤٠] فإن المراد في الآية وهي مدنيّة ـ بالحكم الذي نزل في الكتاب ، هو ما في هذه الآية من سورة الأنعام وهي مكية ، ولا آية غيرها ، وهي تذكر أن الحكم النازل سابقا وجّه به إلى المؤمنين ولازمه أن يكون الخطاب الذي في قوله : (وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا) إلخ موجها إلى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والمقصود به غيره
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
