المجلس ، لأن المطلوب ليس مقاطعة هؤلاء ، بل إعلان الموقف الرافض لمثل هذه الأجواء والمواقف المضادّة.
تلك هي الحالة الطبيعية للمؤمن الواعي الذي يعيش حياته اليومية مع الناس الآخرين بيقظة وتمييز للخطوط الفاصلة بين الإيمان والكفر ، ويشعر باختلافه عن الكافرين ، فإن المفروض منه أن يؤكد إيمانه بالتعبير عنه باتخاذ مواقف إيجابيّة أو سلبية ، وذلك من موقع المسؤولية أمام الله.
فإذا غفل عن ذلك ، أو ضعفت إرادته ، فنسي ، استجابة منه للشيطان ولضعفه البشري ، خوفا من الخسائر المادية أو المعنوية أو المشاكل التي تحدث له من قبل هؤلاء إذا ما تعرض لهم ، أو احتجّ عليهم ، أو أعلن التمايز بين موقفه وموقفهم ، فإن عليه أن يستغفر الله من ذلك ، ويفتح قلبه للذكرى المنطلقة من وحي الله في آياته ، ويؤكد موقفه من خلالها ، فيعيش الحذر الدائم ، من الوقوع من جديد في حالة الغفلة والضعف ، فلا يعود مرّة أخرى ، بعد هذه الذكرى ، إلى الوقوع في التجربة الصعبة ، فيستسلم للموقف الضعيف الذي تفرضه عليه مجاملته للقوم الظالمين.
(وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ثم تعود الآية الثانية لتضع المسألة في نصابها الصحيح .. فليس المتقون مسئولين عما يخوضه هؤلاء من الكفر والضلال ، بل إن الكافرين أنفسهم هم المسؤولون عن ذلك كله ، لأن الله لا يؤاخذ إنسانا بجريرة غيره ، ولكنه أرادها ذكرى لهؤلاء ، وصدمة عمليّة لهم من قبل المتقين عند ما يواجهونهم بالموقف السلبي الرافض الذي يوحي إليهم بأن الأجواء من حولهم ليست ملائمة لتوجهاتهم. فقد يدفعهم ذلك إلى التفكير الواعي العميق ، فيدخلون معه في حسابات جديدة ، تثير أمامهم أجواء التقوى التي أراد الله للناس أن يعيشوا فيها بما تمثله من الصراط المستقيم.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
