إليهم حديثا عن الغيب الّذي لم يمنحهم الله علمه في ما منحهم من علم ، (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) لإحاطتك بالمستقبل تماما كما هو الحاضر والماضي ، وبذلك يرفعون عن موقفهم أيّة مسئوليّة في ما جرى من بعدهم ، لأنهم لا يملكون علمه ، ولا القدرة عليه ، من قريب أو من بعيد.
ولعلّ هذا الوجه أوفق بمدلول الآية من الوجوه الّتي ذكرت في تفسير نفي الرسل لعلمهم بما كان عليه موقف أقوامهم ، فقد ذهب البعض إلى أنّهم خضعوا لأهوال يوم القيامة فذهلوا عن وعي القضيّة في تاريخها الواقعي عند ما كانوا في الدنيا ، وذهب البعض إلى أنّ المقصود بقولهم : (لا عِلْمَ لَنا) أي كعلمك ، لأنّك تعلم باطنهم وغيبهم الّذي لا نعلمه ، وذهب بعضهم إلى أنّ المراد لا علم لنا إلّا ما علمتنا ، ونحو ذلك مما لا دلالة للّفظ عليه.
ولعلّ الآية الكريمة واردة في مقام تأكيد الفكرة الّتي لا بدّ من أن يعيشها النّاس الّذين كانوا مع الرسل في واقع الدعوة الرساليّة ، ممن انحرفوا أو غيروا وبدّلوا ، ودخلت فيهم التطورات الفكرّية والمتغيرات العمليّة بعيدا عن الخط المستقيم للرسل وللرسالة ، بأنّ الله مطّلع على كل التاريخ الّذي عاشوا فيه ، بكل دقائقه وتفاصيله ، حاضرا ومستقبلا ، مما أحصاه الرسل في حياتهم مع أممهم ، ومما لم يحصوه مما غاب عنهم شهوده لأنّه حدث من بعدهم ، ليكون ذلك أقرب إلى وعي المسؤوليّة عند النّاس في مراقبتهم لله في كل أمورهم لأنّه علام الغيوب.
وقد ذكر صاحب مجمع البيان في كتابه قال : «ذكر الحاكم أبو سعيد في تفسيره أنّها تدل على بطلان قول الإماميّة إنّ الأئمة يعلمون الغيب». وعلقّ على ذلك بقوله : «وأقول إنّ هذا القول ظلم منه لهؤلاء القوم ، فإنّا لا نعلم أحدا منهم بل أحدا من أهل الإسلام يصف أحدا من النّاس بعلم الغيب ، ومن وصف مخلوقا بذلك فقد فارق الدين ، والشيعة الإماميّة برآء من هذا القول ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٨ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3269_tafsir-men-wahi-alquran-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
