(ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا) تحقيرا وإبعادا لهم عن ساحة الحياة الكريمة ، فيرتدع بذلك كل من يفكر في هذا الاتجاه ، ويرى لنفسه الكرامة والمنزلة الرفيعة. (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) لأنَّهم تمردوا على الله وحاربوه في دينه وفي بلاده وعباده. ولكنَّ الإسلام لا يغلق الباب على هؤلاء ، بل يفتح لهم باب الرحمة بشكل واسع من دون أن يؤدي ذلك إلى الاجتراء على سلوك هذا السبيل المنحرف. فقد فرَّق بين نموذجين من هؤلاء : النموذج الَّذي لا يفكر بالتوبة إلَّا بعد إلقاء القبض عليه ومواجهته للعقوبة ، والنموذج الَّذي يتوب وهو يملك حريّة الحركة في الهرب ، والتخلص من العقوبة. فإن الجزاء القاسي في الدنيا والآخرة ينتظر النموذج الأول ، لأنَّ استمراره في الالتزام بخط الجريمة والانحراف إلى اللحظة الّتي يلقى القبض فيها عليه ، يدل على تأصّل الانحراف في شخصيته ، ويوحي بإمكانيّة الامتداد في ممارستها في المستقبل. أمّا النموذج الثاني ، وهو الَّذي أشارت الآية إليه بقوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فأولئك هم الَّذين ينالهم الله بالمغفرة والرحمة ، لأنَّهم تابوا من موقع القناعة الحرّة الّتي لا تخضع لضغط ، مما يوحي بأنَّ الجريمة لم تكن إلَّا عرضا طارئا لا عمق ولا امتداد لها في حياته ، ولذلك يعينهم الله على تجاوزها ، لئلا تبقى ـ في داخلهم ـ عنصر قلق وحيرة وضياع ، فيفتح لهم أبواب مغفرته ، وبذلك يشعرون بأنَّ الله يتقبلهم فيبدءون حياة جديدة في ظل المغفرة والرحمة ، تبتعد بهم عن كل ما يرهق حياتهم وحياة الآخرين بالانحراف والخطيئة.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٨ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3269_tafsir-men-wahi-alquran-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
