وذلك في ما يحسه الإنسان بشعوره وتفكيره ؛ وبذلك يكون إنكاره إنكارا بعد تبيّن الحق ووضوحه ، فلا يستحق رحمة الله ومغفرته ، لأنه ابتعد عنه بالطريقة التي لا مجال لأن يلتقي فيها معه من قريب أو من بعيد. أما الأشياء الأخرى التي قد تتعلق ببعض تفاصيل العقيدة أو ببعض مظاهر العمل أو طبيعته ، فيمكن أن تنالها المغفرة ، لأن الإنسان يتعلق بالله بركن وثيق ، لتبقى كل الأشياء قضايا قابلة للمسامحة في ما يشاء الله ذلك على أساس حكمته ورحمته ، فهي لا تمثل الخطأ المميت الذي يفقد فيه الإنسان روح العلاقة بالله الذي يبتعد به مسافة بعيدة لا مجال فيها للهدى ، لأن أساس العلاقة بالله لا يزال قويا في حركة التوحيد في الفكر والروح والشعور.
وهنا ملاحظة حول التكرار في القرآن ، فقد وردت هذه الآية في هذه السورة آية (٤٨) ، فلما ذا تكرر ذكرها؟ والجواب أن هناك نقطتين : الأولى : أن القرآن كتاب توعية وتثقيف وتوجيه وموعظة وإصلاح ، ولذلك كان من الطبيعي أن يكرر الفكرة الحيوية التي تتصل بأكثر من جانب من جوانب الاستقامة في الخط الفكري والعملي للإنسان ، لا سيّما إذا كانت في مستوى مسألة الشرك التي تضاد مسألة التوحيد في العمق والامتداد ، وقد جاء الإسلام لإسقاط وثنية الشرك في روح الإنسان ووجدانه وحركة حياته ، لتأكيد التوحيد في الفكر والواقع ، وذلك لما يمثّله الشرك من خطورة على مصلحة الإنسان العليا في العمق ، وهذا هو الذي أراد الله تأكيده للمقارنة بين الشرك كجريمة عقيدية وعملية وبين الذنوب الأخرى التي قد تختلف في حجمها من حيث الكبائر والصغائر ، وأن الله لا يغفر الشرك لمن مات مشركا ، لأنه لا يرتكز على أيّ أساس وجداني أو علمي ، في حين ينطلق التوحيد من الفطرة الإنسانية في العقل والروح ، بينما ـ يغفر لمن يشاء ـ أيّ ذنب آخر ، لأنه يتصل بانحراف الغريزة تحت تأثير العوامل والعناصر الخارجية المؤثرة في الإنسان بطريقة شعورية أو لا شعورية.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
