بل بقي في حالة شك وارتياب ، لا مسئولية عليه لأن الحجة لم تقم عليه مع عدم كونه في طريق التمرّد. ومن خلال ذلك يمكن لنا أن نفهم أنّ الإنسان الذي اجتهد في سبيل الوصول إلى الحق ، وأخطأ النتيجة مع المزيد من البحث الذي لم يبق له معه أيّ أمل في الحصول على دليل آخر غير ما لديه ، فهو معذور (١).
الأمر الثالث : ذكر الرازي في تفسيره ، أن الشافعي سئل عن آية في القرآن في كتاب الله تعالى تدل على أن الإجماع حجة ، فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة ، حتى وجد هذه الآية : (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) وتقرير الاستدلال أنّ اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجبا (٢) ، ومن الطبيعي أن المؤمنين إذا أجمعوا على شيء ، كان ذلك مصداقا لما يستفاد من الآية من ضرورة اتباع سبيل المؤمنين.
ولكن هذا الدليل غير تام ، لأن الآية تتحدث عن الذين يتبعون غير سبيل المؤمنين في الإخلاص لله ولرسوله واتباع أوامره ونواهيه ، مما يكون مصداقا لمشاقة الرسول التي تتطابق مع التمرد عليه الذي يلتقي مع واقع المشركين والمنافقين ، وأين هذا من مسألة الإجماع الذي يمثل اتفاق المؤمنين على خط عملي لم تقم عليه حجة ولم يثبت أنه صادر عن الرسول كما هو الفرض ، لأنه لا طريق له غير الإجماع ، فهي تتحدث عن الواقع الذي كان يعيشه الوضع الإسلامي مع القوى المضادة. وقد جاء عن الشيخ محمد عبده ـ نقلا عن تفسير الكاشف ـ : أن الإجماع الذي يعنونه هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاة نبيها ، والآية نزلت في عصره ، لا بعد عصره (٣).
__________________
(١) يراجع : مغنية ، تفسير الكاشف ، م : ٢ ، ج : ٥ ، ص : ٤٣٧.
(٢) الرازي ، الفخر ، التفسير الكبير ، دار إحياء التراث العربي ، ط : ٣ ، م : ٦ ، ج : ١١ ، ص : ٤٣.
(٣) تفسير الكاشف ، م : ٢ ، ج : ٥ ، ص : ٤٣٧.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
