وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وذكره الله تعالى في كتابه (١). وللفقهاء المسلمين الآخرين رأي آخر في التخيير ، وفضيل ذلك في كتب الفقه.
(إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ؛ والفتنة هنا ـ بقرينة المورد ـ الضغط الذي يمارسونه بالتعذيب والقتل والضرب ، مما يريدون به هزيمة المسلمين وفتنتهم عن الثبات على دينهم. ولعل التشريع الأول للقصر كان في هذه الحال ، ثم امتدّ بعد ذلك إلى جميع أنواع السفر بحدوده الشرعية كما جاءت به السنّة الشريفة : (إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً) ، فلا بد من الاحتراز منهم في حالتي السلّم والحرب. وقد شرّع الله قصر الصلاة من أجل تحقيق هذا الهدف في حالة الحرب. (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) فيصلّون صلاة جماعة ويبقى الآخرون في حالة حراسة ، (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) في حال الصلاة ليكونوا على استعداد في حالة هجوم العدو عليهم ، من دون أن يخرجهم ذلك عن جو العبادة ؛ لأن الجهاد في سبيل الله وقفة مع الله ، كما هي الصلاة وقفة روحية معه. (فَإِذا سَجَدُوا) وفرغوا من الصلاة بعد أن أتموها وحدهم في الركعة الثانية ، (فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ) لأخذ مواقعهم في حراسة أرض المعركة ، (وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ) من العدو ، بأن يكونوا في حالة استعداد دائم للدفاع والمقاومة (وَأَسْلِحَتَهُمْ) ليستعملوها عند الحاجة ، لأن العدو لا يؤمن له ، فيمكن أن يستغل فرصة انشغالهم بالصلاة ، فيهجم عليهم (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً) في هجوم صاعق.
(وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى) لا
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ٥ ، ص : ٦٧ ـ ٦٨.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
