في طريقه ظلما للنفس وتعريضا لها للعذاب الأليم ... ولم يترك الملائكة هذه الحالة بدون حساب ، فقد أوكل الله إليهم أمر التحقيق في أعمال الناس الذين يتوفونهم ؛ وبدأت عملية التحقيق (قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ...) ما هي الأجواء التي كنتم تتحركون في داخلها؟ وما هي الأسباب التي أدّت بكم إلى هذا السلوك؟ وما هي مبرراتكم التي تقدمونها بين أيديكم لتدافعوا بها عن أنفسكم؟ (قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) ، فلم تكن لنا قدرة على مواجهة هؤلاء الناس الذين يفرضون علينا العقيدة الباطلة والسلوك المنحرف ، ولا يسمحون لنا بالتعرف على العقيدة الحقة ، لأنهم يغلقون عنا سبل المعرفة من جميع الجهات ، فلا نجد أمامنا إلا الباطل الذي يحيط بنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن يميننا وعن شمالنا ، ولا نملك ـ في الوقت ذاته ـ حرية الحركة ، في ما نريد أن نقوم به من عمل في نطاق الحق والهدى ، لأنهم يحددون لنا الساحة التي نتحرك فيها ويحيطونها بأسلاك شائكة ، تمنع النفاذ منها إلى ساحات أخرى.
(قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ...)؟ ولم يقتنع الملائكة بالجواب ، بل حاولوا التوسع في التحقيق ، لتحديد الحالة التي تخضع لحساب المسؤولية في واقعهم الفكري والعملي ؛ فسألوهم عن إمكانيات الفرص البديلة للواقع الذي عاشوه ، وعما إذا كانت هناك أرض أخرى حرة ، لا يستطير عليها المستكبرون ؛ بل تنطلق فيها الحرية الفكرية والعملية بأوسع مداها ، مما يتيح لها مجال المعرفة الحرة والسلوك الحر ، وكان السكوت هو الرد الذي قابلوا به هذا السؤال ، لأنهم لا يملكون الإنكار أمام الحقيقة الحاسمة التي كانت تتمثل في حياتهم ؛ فقد كانت لهم مجالات للهجرة إلى المواقع الجديدة التي يخرجون بها من حالة الاستضعاف هذه ، ولكنهم استسلموا لحالات الاسترخاء والكسل والخشية من المتاعب الجسدية والمالية ونحوها ، وعاشوا في خدمة المستكبرين ؛ وبذلك حقّت عليهم كلمة الله ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
