وبذلك يمكنهم أن يتخففوا من ثقل الذنوب التي أرهقت نفوسهم وظهورهم ، وينطلقوا إلى الحياة خفافا من كل وزر ، أطهارا من كل رجس.
* * *
ميزان الإيمان الحق : الانصياع المطلق لحكم الله ورسوله
ويعود القرآن ـ من جديد ـ ليحدّد للمؤمنين الحدّ الفاصل بين الإيمان وعدمه ، (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ...) بكلمة الإيمان التي يقولونها ، أو بمظاهره وشعائره التي يحملونها ، بل لا بد من الموقف الصعب الحاسم الذي يضع الأمور في نصابها الصحيح (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ) ؛ فإذا اختلفوا في أية قضية من قضايا الحياة ، وتعدّدت الآراء التي يدلي بها هذا الفريق أو ذاك ، فإن علامة إيمانهم أن يجعلوك الحاكم في ما يأخذون أو يدعون ، وذلك من خلال صفتك الرساليّة ، ليكون رجوعهم إليك وتحكيمهم لك رجوعا إلى الرسالة وتحكيما لها في جميع أمورهم التي يختلفون فيها. فإن معنى ذلك أنهم لا يجدون لأنفسهم الحق في الاستقلال في رأي ما ، بعيدا عن الرسول والرسالة ، ولا يتطلعون في جميع قضاياهم الحياتية إلى أي شخص آخر ، أو أي فكر آخر ، وذلك هو معنى الإيمان الذي يلتزم بالقاعدة ولا يلتزم بأية قاعدة غيرها. فإذا حكمت بينهم بأمر ، مما يلتقي برغباتهم الذاتية أو مما لا يلتقي بها ، فإنهم سيرتفعون ـ عند ذلك ـ عن الخضوع لمشاعرهم الخاصة ، فلا يقومون بأيّ عمل سلبي ضد هذا الحكم ، ولا يتعقّدون في داخلهم من أجله ، بل يتقبلونه برحابة صدر ورضا نفس ، ويستسلمون لحكم الله في دعة واطمئنان ، لأنه يملك منهم ما لا يملكونه من أنفسهم. وهذا هو معنى قوله تعالى : (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً).
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
