(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ) (٣)
____________________________________
إرضاعه من طفلها الذى ألقمته ثديها والتعبير عنه بما دون من لتأكيد الذهول وكونه بحيث لا يخطر ببالها أنه ماذا لا أنها تعرف شيئيته لكن لا تدرى من هو بخصوصه وقيل ما مصدرية أى تذهل عن إرضاعها والأول أدل على شدة الهول وكمال الانزعاج وقرىء تذهل من الإذهال مبنيا للمفعول أو مبنيا للفاعل مع* نصب كل أى تذهلها الزلزلة (وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها) أى تلقى جنيها لغير تمام كما أن المرضعة تذهل عن ولدها لغير فطام وهذا ظاهر على قول علقمة والشعبى وأما على ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما فقد قيل إنه تمثيل لتهويل الأمر وفيه أن الأمر حينئذ أشد من ذلك وأعظم وأهول مما وصف وأطم وقيل إن ذلك يكون عند النفخة الثانية فإنهم يقومون على ما صعقوا فى النفخة الأولى فتقوم المرضعة على إرضاعها والحامل* على حملها ولا ريب فى أن قيام الناس من قبورهم بعد النفخة الثانية لا قبلها حتى يتصور ما ذكر (وَتَرَى النَّاسَ) بفتح التاء والراء على خطاب كل أحد من المخاطبين برؤية الزلزلة والاختلاف بالجمعية والإفراد لما أن المرئى فى الأول هى الزلزلة التى يشاهدها الجميع وفى الثانى حال من عدا المخاطب منهم فلا بد من إفراد المخاطب على وجه يعم كل واحد منهم لكن من غير اعتبار اتصافه بتلك الحالة فإن المراد بيان تأثير الزلزلة فى المرئى لا فى الرائى باختلاف مشاعره لأن مداره حيثية رؤيته للزلزلة لا لغيرها كأنه قيل ويصير الناس سكارى الخ وإنما أوثر عليه ما فى التنزيل للإيذان بكمال ظهور تلك الحالة فيهم وبلوغها من الجلاء إلى حد لا يكاد* يخفى على أحد أى يراهم كل أحد (سُكارى) أى كأنهم سكارى (وَما هُمْ بِسُكارى) حقيقة (وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ) فيرهقهم هوله ويطير عقولهم ويسلب تمييزهم فهو الذى جعلهم كما وصفوا وقرىء ترى بضم التاء وفتح الراء مسندا إلى المخاطب من أريتك قائما أو رؤيتك قائما والناس منصوب أى تظنهم سكارى وقرىء برفع الناس على إسناد الفعل المجهول إليه والتأنيث على تأويل الجماعة وقرىء ترى بضم التاء وكسر الراء أى ترى الزلزلة الخلق جميع الناس سكارى وقرىء سكرى وسكرى كعطشى وجوعى إجراء للسكر مجرى العلل (وَمِنَ النَّاسِ) كلام مبتدأ جىء به إثر بيان عظم شأن الساعة المنبئة عن البعث بيانا لحال بعض المنكرين لها ومحل الجار الرفع على الابتداء إما بحمله على المعنى أو بتقدير ما يتعلق به كما مر مرارا أى وبعض الناس أو وبعض كائن من الناس (مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ) أى فى شأنه تعالى ويقول فيه ما لا خير فيه من الأباطيل وقوله تعالى (بِغَيْرِ عِلْمٍ) حال من ضمير يجادل موضحة لما يشعر بها المجادلة من الجهل أى ملابسا بغير علم. روى أنها نزلت فى النضرين الحرث وكان جدلا يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين ولا بعث بعد الموت وهى عامة له ولأضرابه من العتاة المتمردين (وَيَتَّبِعُ) أى فيما يتعاطاه من المجادلة أو فى كل ما يأتى وما يذر من الأمور الباطلة التى من جملتها ذلك (كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ) عات متمرد متجرد للفساد وأصله العرى المنبىء عن التمحض له كالتشمر ولعله مأخوذ من تجرد المصارعين عند المصارعة قال الزجاج المريد والمارد المرتفع الأملس والمراد إما رؤساء الكفرة الذين يدعون من دونهم إلى الكفر وإما إبليس وجنوده.
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
