(وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً) (٧٥)
____________________________________
(وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ) المنطوية على المواعظ والأحكام (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً) أى أكبوا عليها سامعين بآذان واعية مجتلين لها بعيون راعية وإنما عبر عن ذلك بنفى الضد تعريضا بما يفعله الكفرة والمنافقون وقيل الضمير للمعاصى المدلول عليها باللغو (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل فإن المؤمن إذا ساعده أهله فى طاعة الله عزوجل وشاركوه فيها يسر بهم قلبه وتقربهم عينه لما يشاهده من مشايعتهم له فى مناهج الدين وتوقع لحوقهم به فى الجنة حسبما وعد بقوله تعالى (أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) ومن ابتدائية أو بيانية وقرىء وذريتنا وتنكير الأعين لإرادة تنكير القرة تعظيما وتقليلها لأن المراد أعين المتقين ولا ريب فى قلتها نظرا إلى غيرها (وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) أى اجعلنا بحيث يقتدون بنا فى إقامة مواسم الدين بإفاضة العلم والتوفيق للعمل وتوحيده للدلالة على الجنس وعدم الالتباس كقوله تعالى (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً) أو لأن المراد واجعل كل واحد منا إماما أو لأنهم كنفس واحدة لاتحاد طريقتهم واتفاق كلمتهم كذا قالوا وأنت خبير بأن مدار الكل صدور هذا الدعاء إما عن الكل بطريق المعية وأنه محال لاستحالة اجتماعهم فى عصر واحد فما ظنك باجتماعهم فى مجلس واحد واتفاقهم على كلمة واحدة وإما عن كل واحد منهم بطريق تشريك غيره فى استدعاء الإمامة وأنه ليس بثابت جزما بل الظاهر صدوره عنهم بطريق الانفراد وأن عبارة كل واحد منهم عند الدعاء واجعلنى للمتقين إماما خلا أنه حكيت عبارات الكل بصيغة المتكلم مع الغير للقصد إلى الإيجاز على طريقة قوله تعالى (يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً) وأبقى إماما على حاله وقيل الإمام جمع آم بمعنى قاصد كصيام جمع صائم ومعناه قاصدين لهم مقتدين بهم وإعادة الموصول فى المواقع السبعة مع كفاية ذكر الصلات بطريق العطف على صلة الموصول الأول للإيذان بأن كل واحد مما ذكر فى حيز صلة الموصولات المذكورة وصف جليل على حياله له شأن خطير حقيق بأن يفرد له موصوف مستقل ولا يجعل شىء من ذلك تتمة لغيره وتوسيط العاطف بين الموصولات لتنزيل الاختلاف العنوانى منزلة الاختلاف الذاتى كما فى قوله[إلى الملك القوم وابن الهمام * وليث الكتائب فى المزدحم] (أُوْلئِكَ) إشارة إلى المتصفين بما فصل فى حيز صلة الموصولات الثمانية من حيث اتصافهم به وفيه دلالة على أنهم متميزون بذلك أكمل تميز منتظمون بسببه فى سلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم فى الفضل وهو مبتدأ خبره قوله تعالى (يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ) والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب مبينة لما لهم فى الآخرة من السعادة الأبدية إثر بيان ما لهم فى الدنيا من الأعمال السنية والغرفة الدرجة العالية من المنازل وكل بناء
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
