(خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً) (٧٧)
____________________________________
مرتفع عال أى يثابون أعلى منازل الجنة وهى اسم جنس أريد به الجمع كقوله تعالى (وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ) وقيل هى اسم من أسماء الجنة (بِما صَبَرُوا) أى بصبرهم على المشاق من مضض الطاعات ورفض الشهوات وتحمل المجاهدات (وَيُلَقَّوْنَ فِيها) من جهة الملائكة (تَحِيَّةً وَسَلاماً) أى يحييهم الملائكة ويدعون لهم بطول الحياة والسلامة من الآفات أو يعطون التبقية والتخليد مع السلامة من كل آفة وقيل يحيى بعضهم بعضا ويسلم عليه وقرىء يلقون من لقى (خالِدِينَ فِيها) لا يموتون ولا يخرجون (حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً) الكلام فيه كالذى مر فى مقابله (قُلْ) أمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم بأن يبين للناس أن الفائزين بتلك النعماء الجليلة التى يتنافس فيها المتنافسون إنما نالوها بما عدد من محاسنهم ولولاها لم يعتد بهم أصلا أى قل لهم كافة* مشافها لهم بما صدر عن جنسهم من خير وشر (ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ) أى أى عبء يعبأ بكم وأى اعتداد يعتد بكم لو لا عبادتكم له تعالى حسبما مر تفصيله فإن ما خلق له الإنسان معرفته تعالى وطاعته وإلا فهو وسائر البهائم سواء وقال الزجاج معناه أى وزن يكون لكم عنده وقيل معناه ما يصنع بكم ربى لو لا دعاؤه إياكم إلى الإسلام وقيل ما يصنع بعذابكم لو لا دعاؤكم معه آلهة ويجوز أن تكون ما نافية وقوله* تعالى (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ) بيان لحال الكفرة من المخاطبين كما أن ما قبله بيان لحال المؤمنين منهم أى فقد كذبتم بما أخبرتكم به وخالفتموه أيها الكفرة ولم تعملوا عمل أولئك المذكورين وقيل فقد قصرتم فى العبادة من قولهم كذب القتال إذا لم يبالغ فيه وقرىء فقد كذب الكافرون أى الكافرون منكم لعموم الخطاب للفريقين وفائدته الإيذان بأن مناط فوز أحدهما وخسران الآخر مع الاتحاد الجنسى المصحح للاشتراك* فى الفوز ليس إلا اختلافهما فى الأعمال (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً) أى يكون جزاء التكذيب أو أثره لازما يحيق بكم لا محالة حتى يكبكم فى النار كما تعرب عنه الفاء الدالة على لزوم ما بعدها لما قبلها وإنما أضمر من غير ذكر للإيذان بغاية ظهوره وتهويل أمره وللتنبيه على أنه مما لا يكتنهه البيان وقيل يكون العذاب لزاما وعن مجاهد رحمهالله هو القتل يوم بدر وأنه لوزم بين القتلى وقرىء لزاما بالفتح بمعنى اللزوم كالثبات والثبوت. عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم من قرأ سورة الفرقان لقى الله تعالى وهو مؤمن بأن الساعة آتية لا ريب فيها وأدخل الجنة بغير نصب.
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
