(إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً) (٦٨)
____________________________________
إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً) أى شرا دائما وهلاكا لازما وفيه مزيد مدح لهم ببيان أنهم مع حسن معاملتهم مع الخلق واجتهادهم فى عبادة الحق يخافون العذاب ويبتهلون إلى الله تعالى فى صرفه عنهم غير محتفلين بأعمالهم كقوله تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ) (إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً) تعليل لاستدعائهم المذكور بسوء حالها فى نفسها إثر تعليله بسوء حال عذابها وقد جوز أن يكون تعليلا للأولى وليس بذاك وساءت فى حكم بئست وفيها ضمير مبهم يفسره مستقرا والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت مستقرا ومقاما هى وهذا الضمير هو الذى ربط الجملة باسم إن وجعلها خبرا لها قيل ويجوز أن يكون ساءت بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم إن ومستقرا حال أو تمييز وهو بعيد خال عما فى الأول من المبالغة فى بيان سوء حالها وكذا جعل التعليلين من جهته تعالى (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا) لم يجاوزوا حد الكرم (وَلَمْ يَقْتُرُوا) ولم يضيقوا تضييق الشحيح وقيل الإسراف هو الإنفاق فى المعاصى والقتر منع الواجبات والقرب وقرىء بكسر التاء مع فتح الياء وبكسرها مخففة ومشدة مع ضم الياء (وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ) أى بين ما ذكر من الإسراف والقتر (قَواماً) وسطا وعدلا سمى به لاستقامة الطرفين كما سمى* به سواء لاستوائهما وقرىء بالكسر وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص وهو خبر ثان أو حال مؤكدة أو هو الخبر وبين ذلك لغو وقد جوز أن يكون اسم كان على أنه مبنى لإضافته إلى غير متمكن ولا يخفى ضعفه فإنه بمعنى القوام فيكون كالإخبار بشىء عن نفسه (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ) شروع فى بيان اجتنابهم عن المعاصى بعد بيان إتيانهم بالطاعات وذكر نفى الإسراف والقتر لتحقيق معنى الاقتصاد والتصريح بوصفهم بنفى الإشراك مع ظهور إيمانهم لإظهار كمال الاعتناء بالتوحيد والإخلاص وتهويل أمر القتل والزنا بنظمهما فى سلكه وللتعريض بما كان عليه الكفرة من قريش وغيرهم أى لا يعبدون معه تعالى إلها آخر (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ) أى حرمها بمعنى حرم قتلها* فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه مبالغة فى التحريم (إِلَّا بِالْحَقِّ) أى لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها أو لا يقتلون قتلا ما إلا قتلا ملتبسا بالحق أو لا يقتلونها فى حال من الأحوال إلا حال كونهم ملتبسين بالحق (وَلا يَزْنُونَ) أى الذين لا يفعلون شيئا من هذه العظائم القبيحة التى جمعهن الكفرة حيث كانوا مع إشراكهم به سبحانه مداومين على قتل النفوس المحرمة التى من جملتها الموءودة مكبين على الزنا لا يرعوون عنه أصلا (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) أى ما ذكر كما هو دأب الكفرة
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
