(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٦٠) تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً) (٦١)
____________________________________
وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) قد سلف تفسيره ومحل الموصول الجر على أنه صفة أخرى للحى وصف بالصفة الفعلية بعد وصفه بالأبدية التى هى من الصفات الذاتية والإشارة إلى اتصافه بالعلم الشامل لتقرير وجوب التوكل عليه تعالى وتأكيده فإن من أنشأ هذه الأجرام العظام على هذا النمط الفائق والنسق الرائق بتدبير متين وترتيب رصين فى أوقات معينة مع كمال قدرته على إبداعها دفعة لحكم جليلة وغايات جميلة لا تقف على تفاصيلها العقول أحق من يتوكل عليه وأولى من يفوض الأمر إليه (الرَّحْمنُ) مرفوع على المدح أى هو الرحمن وهو فى الحقيقة وصف آخر للحى كما قرىء بالجر مفيد* لزيادة تأكيد ما ذكر من وجوب التوكل عليه تعالى وإن لم يتبعه فى الإعراب لما تقرر من أن المنصوب والمرفوع مدحا وإن خرجا عن التبعية لما قبلهما صورة حيث لم يتبعاه فى الإعراب وبذلك سميا قطعا لكنهما تابعان له حقيقة ألا يرى كيف النزموا حذف الفعل والمبتدأ فى النصب والرفع روما لتصوير كل منهما بصورة متعلق من متعلقات ما قبله وتنبيها على شدة الاتصال بينهما وقد مر تمام التحقيق فى تفسير قوله عزوجل (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) الآية وقيل الموصول مبتدأ والرحمن خبره وقيل الرحمن بدل من المستكن فى استوى (فَسْئَلْ بِهِ) أى بتفاصيل ما ذكر إجمالا من الخلق والاستواء لا بنفسهما فقط إذ بعد* بيانهما لا يبقى إلى السؤال حاجة ولا فى تعديته بالباء فائدة فإنها مبنية على تضمينه معنى الاعتناء المستدعى لكون المسئول أمرا خطيرا مهتما بشأنه غير حاصل للسائل وظاهر أن نفس الخلق والاستواء بعد الذكر ليس كذلك وما قيل من أن التقدير إن شككت فيه فاسأل به خبيرا على أن الخطاب له صلىاللهعليهوسلم والمراد غيره بمعزل من السداد بل التقدير إن شئت تحقيق ما ذكر أو تفصيل ما ذكر فاسأل معنيا به (خَبِيراً) عظيم* الشأن محيطا بظواهر الأمور وبواطنها وهو الله سبحانه يطلعك على جلية الأمر وقيل فاسأل به من وجده فى الكتب المتقدمة ليصدقك فيه فلا حاجة حينئذ إلى ما ذكرنا وقيل الضمير للرحمن والمعنى إن أنكروا إطلاقه على الله تعالى فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجىء ما يردافه فى كتبهم وعلى هذا يجوز أن يكون الرحمن مبتدأ وما بعده خبرا وقرىء فسل (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ) قالوه لما أنهم ما كانوا يطلقونه على الله تعالى أو لأنهم ظنوا أن المراد به غيره تعالى ولذلك قالوا (أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا) أى للذى تأمرنا بسجوده أو لأمرك إيانا من غير أن نعرف أن المسجود له ماذا وقيل لأنه كان معربا لم يسمعوه وقرىء يأمرنا بياء الغيبة على أنه قول بعضهم لبعض (وَزادَهُمْ) أى الأمر بسجود الرحمن (نُفُوراً) عن الإيمان (تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً) هى البروج الاثنا عشر سميت به وهى القصور العالية لأنها للكواكب السيارة كالمنازل الرفيعة لسكانها واشتقاقه من البرج لظهوره (وَجَعَلَ فِيها سِراجاً) هى الشمس لقوله تعالى (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً) وقرىء سرجا وهى
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
