(وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً) (٣٨)
____________________________________
بما هو المقصود وحمل قوله تعالى (فَدَمَّرْناهُمْ) على معنى فحكمنا بتدميرهم مع كونه تعسفا ظاهرا مما لا وجه له إذ لا فائدة يعتد بها فى حكاية الحكم بتدمير قد وقع وانقضى والتعرض فى مطلع القصة لإيتاء الكتاب مع أنه كان بعد مهلك القوم ولم يكن له مدخل فى هلاكهم كسائر الآيات للإيذان من أول الأمر ببلوغه صلىاللهعليهوسلم غاية الكمال ونيله نهاية الآمال التى هى إنجاء بنى إسرائيل من ملكة فرعون وإرشادهم إلى طريق الحق بما فى التوراة من الأحكام إذ به يحصل تأكيد الوعد بالهداية على الوجه الذى مر بيانه وقرىء فدمرتهم وفدمراهم وفدمرانهم على التأكيد بالنون الثقيلة (وَقَوْمَ نُوحٍ) منصوب بمضمر يدل عليه قوله تعالى (فَدَمَّرْناهُمْ) أى ودمرنا قوم نوح وقيل عطف على مفعول فدمرناهم وليس من ضرورة ترتب تدميرهم على ما قبله* ترتب تدمير هؤلاء عليه لا سيما وقد بين سببه بقوله تعالى (لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) أى نوحا ومن قبله من الرسل أو نوحا وحده لأن تكذيبه تكذيب للكل لاتفاقهم على التوحيد والإسلام وقيل هو منصوب بمضمر* يفسره قوله تعالى (أَغْرَقْناهُمْ) وإنما يتسنى ذلك على تقدير كون كلمة لما ظرف زمان وأما على تقدير كونها حرف وجود لوجود فلا لأنه حينئذ جواب لها وجواب لما لا يفسر ما قبله مع أنه مخل بعطف المنصوبات الآتية على قوم نوح لما أن إهلاكهم ليس بالإغراق فالوجه ما تقدم وقوله تعالى (أَغْرَقْناهُمْ) استئناف مبين* لكيفية تدميرهم (وَجَعَلْناهُمْ) أى جعلنا إغراقهم أو قصتهم (لِلنَّاسِ آيَةً) أى آية عظيمة يعتبر بها كل من شاهدها أو سمعها وهى مفعول ثان لجعلنا وللناس ظرف لغو له أو متعلق بمحذوف وقع حالا من آية إذ* لو تأخر عنها لكان صفة لها (وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ) أى لهم والإظهار فى موقع الإضمار للإيذان بتجاوزهم* الحد فى الكفر والتكذيب (عَذاباً أَلِيماً) هو عذاب الآخرة إذ لا فائدة فى الإخبار بإعتاد العذاب الذى قد أخبر بوقوعه من قبل أو لجميع الظالمين الباقين الذين لم يعتبروا بما جرى عليهم من العذاب فيدخل فى زمرتهم قريش دخولا أوليا ويحتمل العذاب الدنيوى والأخروى (وَعاداً) عطف على قوم نوح وقيل على المفعول الأول لجعلناهم وقيل على محل الظالمين إذ هو فى معنى وعدنا الظالمين وكلاهما بعيد (وَثَمُودَ) * الكلام فيه وفيما بعده كما فيما قبله وقرىء وثمودا على تأويل الحى أو على أنه اسم الأب الأقصى (وَأَصْحابَ الرَّسِّ) هم قوم يعبدون الأصنام فبعث الله تعالى إليهم شعيبا عليهالسلام فكذبوه فبينما هم حول الرس وهى البئر التى لم تطو بعد إذ انهارت فخسف بهم وبديارهم وقيل الرس قرية بفلج اليمامة كان فيها بقايا ثمود فبعث إليهم نبى فقتلوه فهلكوا وقيل هو الأخدود وقيل بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار وقيل هم أصحاب حنظلة بن صفوان النبى صلىاللهعليهوسلم ابتلاهم الله تعالى بطير عظيم كان فيها من كل لون وسموها عنقاء لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذى يقال له فتخ أو دمخ فتنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
