(تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً) (١١)
____________________________________
عمن له أدنى عقل وتمييز فبقوا متحيرين (فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً) إلى القدح فى نبوتك بأن يجدوا قولا* يستقرون عليه وإن كان باطلا فى نفسه أو فضلوا عن الحق ضلالا مبينا فلا يحدون طريقا موصلا إليه فإن من اعتاد استعمال أمثال هذه الأباطيل لا يكاد يهتدى إلى استعمال المقدمات الحقة (تَبارَكَ الَّذِي) أى تكاثر وتزايد خير الذى (إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ) فى الدنيا عاجلا شيئا (خَيْراً) لك (مِنْ ذلِكَ) الذى اقترحوه من أن يكون لك جنة تأكل منها بأن يعجل لك مثل ما وعدك فى الآخرة وقوله تعالى (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) بدل من خيرا ومحقق لخيريته مما قالوا لأن ذلك كان مطلقا عن قيد التعدد وجريان الأنهار (وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً) عطف على محل الجزاء الذى هو جعل وقرىء بالرفع عطفا على نفسه لأن الشرط* إذا كان ماضيا جازفى جزائه الرفع والجزم كما فى قول القائل[وإن أتاه خليل يوم مسئلة * يقول لا غائب مالى ولا حرم] ويجوز أن يكون استئنافا بوعد ما يكون له فى الآخرة وقرىء بالنصب على أنه جواب بالواو وتعليق ذلك بمشيئته تعالى للإيذان بأن عدم جعلها بمشيئته المبنية على الحكم والمصالح وعدم التعرض لجواب الاقتراحين الأولين للتنبيه على خروجهما عن دائرة العقل واستغنائهما عن الجواب لظهور بطلانهما ومنافانهما للحكمة التشريعية وإنما الذى له وجه فى الجملة هو الاقتراح الأخير فإنه غير مناف للحكمة بالكلية فإن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أوتوا فى الدنيا مع النبوة ملكا عظيما (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ) إضراب عن توبيخهم بحكاية جناياتهم السابقة وانتقال منه إلى توبيخهم بحكاية جناياتهم الأخرى للتخلص إلى بيان ما لهم فى الآخرة بسببها من فنون العذاب بقوله تعالى (وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً) الخ أى أعتدنا لهم نارا عظيمة شديدة الاشتعال شأنها كيت وكيت بسبب تكذيبهم بها على ما يشعر به وضع الموصول موضع ضميرهم أو لكل من كذب بها كائنا من كان وهم داخلون فى زمرتهم دخولا أوليا ووضع الساعة موضع ضميرها للمبالغة فى التشنيع ومدار إعناد السعير لهم وإن لم يكن مجرد تكذيبهم بالساعة بل مع تكذيبهم بسائر ما جاء به الشريعة الشريفة لكن الساعة لما كانت هى العلة القريبة لدخولهم السعير أشير إلى سببية تكذيبها لدخولها وقيل هو عطف على وقالوا ما لهذا الخ على معنى بل أتوا بأعجب من ذلك حيث كذبوا بالساعة وأنكروها والحال أنا قد اعتدنا لكل من كذب بها سعيرا فإن جراءتهم على التكذيب بها وعدم خوفهم مما أعد لمن كذب بها من أنواع العذاب أعجب من القول السابق وقيل هو متصل بما قبله من الجواب المبنى على التحقيق المنبىء عن الوعد بالجنات فى الآخرة مسوق لبيان أن ذلك لا يجدى نفعا ولا يحلى بطائل على طريقة قول من قال[عوجوا لنعم فحيوا دمنة الدار * ماذا تحيون من نؤى وأحجار] والمعنى أنهم لا يؤمنون بالساعة فكيف يقتنعون بهذا الجواب وكيف يصدقون بتعجيل
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
