(أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً(٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً) (٩)
____________________________________
جنايتهم المتعلقة بخصوصية المنزل عليه وما استفهامية بمعنى إنكار الوقوع ونفيه مرفوعة على الابتداء خبرها ما بعدها من الجار والمجرور وفى هذا تصغير لشأنه صلىاللهعليهوسلم وتسميته صلىاللهعليهوسلم رسولا بطريق الاستهزاء* به صلىاللهعليهوسلم كما قال فرعون إن رسولكم الذى أرسل إليكم وقوله تعالى (يَأْكُلُ الطَّعامَ) حال من الرسول والعامل فيها ما عمل فى الجار من معنى الاستقرار أى أى شىء وأى سبب حصل لهذا الذى يدعى الرسالة حال* كونه يأكل الطعام كما نأكل (وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ) لابتغاء الأرزاق كما نفعله على توجيه الإنكار والنفى إلى السبب فقط مع تحقق المسبب الذى هو مضمون الجملة الحالية كما فى قوله تعالى (فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) وقوله (ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً) فكما أن كلا من عدم الإيمان وعدم الرجاء أمر محقق قد أنكر واستبعد تحققه لانتفاء سببه بل لوجود سبب نقيضه كذلك كل من الأكل والمشى أمر محقق قد استبعد تحققه لانتفاء سببه بل لوجود سبب عدمه خلا أن استبعاد المسبب وإنكار السبب ونفيه فى عدم الإيمان وعدم الرجاء بطريق التحقيق وفى الأكل والمشى بطريق التهكم والاستهزاء فإنهم لا يستبعدونهما ولا ينكرون سببهما حقيقة بل هم معترفون بوجودهما وتحقق سببهما وإنما الذى يستبعدونه الرسالة المنافية لهما على زعمهم يعنون أنه إن صح ما يدعيه فما باله لم يخالف حاله حالنا وهل هو إلا لعمههم وركاكة عقولهم وقصور أنظارهم على المحسوسات فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية وإنما هو بأمور نفسانية كما أشير* إليه بقوله تعالى (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ* (لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ) أى على صورته* وهيئته (فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً) تنزل منهم من اقتراح أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والشرب إلى اقتراح أن يكون معه ملك يصدقه ويكون ردءا له فى الإنذار وهو يعبر عنه ويفسر ما يقوله للعامة وقوله تعالى (أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ) تنزل من تلك المرتبة إلى اقتراح أن يلقى إليه من السماء كنز يستظهر به ولا يحتاج إلى طلب المعاش ويكون دليلا على صدقه وقوله تعالى (أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها) تنزل من ذلك إلى اقتراح ما هو أيسر منه وأقرب من الوقوع وقرىء نأكل بنون الحكاية وفيه مزيد مكابرة وفرط تحكم (وَقالَ الظَّالِمُونَ) هم القائلون الاولون وإنما وضع المظهر موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم وتجاوز الحد فيما قالوه لكونه إضلالا خارجا عن حد الضلال مع ما فيه من نسبته صلىاللهعليهوسلم إلى المسحورية أى قالوا للمؤمنين (إِنْ تَتَّبِعُونَ) أى ما تتبعون (إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً) قد سحر فغلب على عقله وقيل ذا سحروهى الرئة أى بشرا لا ملكا على أن الوصف لزيادة التقرير والأول هو الأنسب بحالهم (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ) استعظام للأباطيل التى اجترءوا على التفوه بها وتعجيب منها أى انظر كيف قالوا فى حقك تلك الأقاويل العجيبة الخارجة عن العقول الجارية لغرابتها مجرى الأمثال واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال الشاذة البعيدة من الوقوع (فَضَلُّوا) أى عن طريق المحاجة حيث لم يأتوا بشىء يمكن صدوره
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
