(وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (٢٧)
____________________________________
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) ليس المراد به حالا ولا استقبالا وإنما هو استمرار الصد ولذلك حسن عطفه على الماضى كما فى قوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ) وقيل هو حال من فاعل كفروا أى وهم يصدون وخبر إن محذوف لدلالة آخر الآية الكريمة عليه فإن من ألحد فى الحرم حيث عوقب بالعذاب الأليم فلأن يعاقب من جمع إليه الكفر والصد عن سبيل الله بأشد من ذلك أحق وأولى (وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ) * عطف على سبيل الله قيل المراد به مكة بدليل وصفه بقوله تعالى (الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ) أى كائنا من كان من غير فرق بين مكى وآفاقى (سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) أى المقيم والطارىء وسواء أى مستويا مفعول* ثان لجعلناه والعاكف مرتفع به واللام متعلق به ظرف له وفائدة وصف المسجد الحرام بذلك زيادة تشنيع الصادين عنه وقرىء سواء بالرفع على أنه خبر مقدم والعاكف مبتدأ والجملة مفعول ثان للجعل وقرىء العاكف بالجر على أنه بدل من الناس (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ) مما ترك مفعوله ليتناول كل متناول كأنه* قبل ومن يرد فيه مرادا ما (بِإِلْحادٍ) بعدول عن القصد (بِظُلْمٍ) بغير حق وهما حالان مترادفان أو الثانى بدل من الأول بإعادة الجار أو صلة أى ملحدا بسبب الظلم كالإشراك واقتراف الآثام (نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) * جواب لمن (وَإِذْ بَوَّأْنا) يقال بوأه منزلا أى أنزله فيه ولما لزمه جعل الثانى مباءة للأول قيل (لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ) وعليه مبنى قول ابن عباس رضى الله عنهما جعلناه أى اذكر وقت جعلنا مكان البيت مباءة له عليهالسلام أى مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث قد مر بيانه غير مرة وقيل اللام زائدة ومكان ظرف كما فى أصل الاستعمال أى أنزلناه فيه قيل رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء فأعلم الله تعالى إبراهيم عليهالسلام مكانه بريح أرسلها يقال لها الخجوج كنست ما حوله فبناه على أسه القديم روى أن الكعبة الكريمة بنيت خمس مرات إحداها بناء الملائكة وكانت من ياقوتة حمراء ثم رفعت أيام الطوفان والثانية بناء إبراهيم عليهالسلام والثالثة بناء قريش فى الجاهلية وقد حضر رسول الله صلىاللهعليهوسلم هذا البناء والرابعة بناء ابن الزبير والخامسة بناء الحجاج وقد أوردنا ما فى هذا الشأن من الأقاويل فى تفسير قوله تعالى (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) وأن فى قوله تعالى (أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً) مفسرة لبوأنا من حيث إنه متضمن لمعنى تعبدنا لأن التبوئة* للعبادة أو مصدرية موصولة بالنهى وقد مر تحقيقه فى أوائل سورة هود أى فعلنا ذلك لئلا تشرك بى فى العبادة شيئا (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) أى وطهر بيتى من الأوثان والأقذار لمن* يطوف به ويصلى فيه ولعل التعبير عن الصلاة بأركانها للدلالة على أن كل واحد منها مستقل باقتضاء ذلك فكيف وقد اجتمعت وقرىء يشرك بالياء (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ) أى ناد فيهم وقرىء آذن (بِالْحَجِّ) بدعوة
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
