(أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١٣)
____________________________________
* وأما التصريح بالياء فلحن ظاهر عند الفراء (إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ) أى على الحقيقة حيث لا يراعونها ولا يعدون نقضها محذورا وإن أجروها على ألسنتهم وإنما علق النفى بها كالنكث فيما سلف لا بالعهد المؤكد بها لأنها العمدة فى المواثيق وجعل الجملة تعليلا للأمر بالقتال لا يساعده تعليقه بالنكث والطعن لأن حالهم فى أن لا أيمان لهم حقيقة بعد النكث والطعن كحالهم قبل ذلك وحمله على معنى عدم بقاء أيمانهم بعد النكث والطعن مع أنه لا حاجة إلى بيانه خلاف الظاهر ولعل الأولى جعلها تعليلا لمضمون الشرط كأنه قيل وإن نكثوا وطعنوا كما هو المتوقع منهم إذ لا أيمان لهم حقيقة حتى لا ينكثوها أو لاستمرار القتال المأمور به المستفاد من سياق الكلام كأنه قيل فقاتلوهم إلى أن يؤمنوا إنهم لا أيمان لهم حتى يعقد معهم عهد آخر وقرىء بكسر الهمزة على أنه مصدر بمعنى إعطاء الأمان أى لا سبيل إلى أن تعطوهم أمانا بعد ذلك أبدا وأما العكس كما قيل فلا وجه له لإشعاره بأن معاهدتهم معنا على طريقة أن يكون إعطاء الأمان من قبلهم وذلك بين البطلان أو بمعنى الإسلام ففى كونه تعليلا للأمر بالقتال إشكال بل استحالة لأنه إن حمل على انتفاء الإسلام مطلقا فهو بمعزل عن العلية للقتال أو للأمر به كما قبل النكث والطعن وإن حمل على انتفائه فيما سيأتى فلا يلائم جعل الانتهاء غاية للقتال فيما سيجىء فالوجه أن يجعل تعليلا لما ذكر من مضمون الشرط كأنه قيل إن نكثوا وطعنوا وهو الظاهر من حالهم لأنه لا إسلام* لهم حتى يرتدعوا عن نقض جنس أيمانهم وعن الطعن فى دينكم (لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) متعلق بقوله تعالى (فَقاتِلُوا) أى قاتلوهم إرادة أن ينتهوا أى ليكن غرضكم من القتال انتهاءهم عما هم عليه من الكفر وسائر العظائم التى يرتكبونها لا إيصال الأذية بهم كما هو ديدن المؤذين (أَلا تُقاتِلُونَ) الهمزة الداخلة على انتفاء مقاتلتهم للإنكار والتوبيخ تدل على تحضيضهم على المقاتلة بطريق حملهم على الإقرار بانتفائها كأنه أمر لا يمكن أن يعترف به طائعا لكمال شناعته فيلجئون إلى ذلك ولا يقدرون على الإقرار به فيختارون* المقاتلة (قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ) التى حلفوها عند المعاهدة على أن لا يعاونوا عليهم فعاونوا بنى بكر على* خزاعة (وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ) من مكة حين تشاوروا فى أمره بدار الندوة حسبما ذكر فى قوله تعالى (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فيكون نعيا عليهم جنايتهم القديمة وقيل هم اليهود نكثوا عهد الرسول* صلىاللهعليهوسلم وهموا بإخراجه من المدينة (وَهُمْ بَدَؤُكُمْ) بالمعاداة والمقاتلة (أَوَّلَ مَرَّةٍ) لأن رسول صلىاللهعليهوسلم جاءهم أولا بالكتاب المبين وتحداهم به فعدلوا عن المحاجة لعجزهم عنها إلى المقاتلة أو بدءوا بقتال خزاعة حلفاء* النبى صلىاللهعليهوسلم لأن إعانة بنى بكر عليهم قتال معهم (أَتَخْشَوْنَهُمْ) أى أتخشون أن ينالكم منهم مكروه حتى تتركوا قتالهم وبخهم أو لا بترك مقاتلتهم وحضهم عليها ثم وصفهم بما يوجب الرغبة فيها ويحقق أن من* كان على تلك الصفات السيئة حقيق بأن لا تترك مصادمته ويوبخ من فرط فيها (فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ)
![تفسير أبي السّعود [ ج ٤ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3236_tafseer-abi-alsaud-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
