يقال : قام الليل وصام النهار ، فيصح ويفيد. وأما ظرف المكان فلا يصل إليه (١) إلا بواسطة ، لا تقول : قمت الدار حتى تقول وسط الدار وخارج الدار. وقد قيل قم هاهنا بمعنى صلّ ، عبّر به عنه ، واستعير له حتى صار عرفا فيه بكثرة الاستعمال.
المسألة الثالثة ـ قوله : (اللَّيْلَ) فخصّه بالذكر. واختلف في وجه تخصيصه ، فمنهم من قال : خصّه بالذكر لأنه أشق. وسيأتى بيانه. وقيل : خصه بالذكر لأنه كان فرضا.
في صحيح مسلم وغيره ، عن عائشة ـ واللفظ لمسلم : قال سعد بن هشام بن عامر: فانطلقت إلى عائشة. فقلت : يا أم المؤمنين ، أنبئينى عن خلق النبىّ صلّى الله عليه وسلم. قالت : [ألست تقرأ القرآن؟ قلت : بلى. قالت :] فإن خلق النبىّ صلّى الله عليه وسلم كان القرآن. قال : فهممت أن أقوم ولا أسأل أحدا عن شيء حتى أموت.
ثم قلت : أنبئينى عن قيام رسول الله صلّى الله عليه وسلم. فقالت : ألست تقرأ : يا أيها المزمّل! قلت : بلى. قالت : فإنّ الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة ، فقام النبىّ صلّى الله عليه وسلم وأصحابه حولا ، وأمسك الله خاتمتها اثنى عشر شهرا في السماء ، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف ، فصار قيام الليل تطوّعا بعد فريضته .... وذكر الحديث.
المسألة الرابعة ـ إن الله سبحانه خلق المكان والزمان سعة للإنسان ومجالا للعمل ، كما تقدم في قوله (٢) : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً) وكما أنّ العمل في الآدمي أصل خلقي ، فكذلك الزمان للسياحة (٣) وجه خلقي أيضا ، لكن الحكمة فيه أن يقدم للدار الأخرى ، ويعتمد فيه قبل (٤) العمل ما هو به أولى وأحرى ، ولو عمره كله بالشكر والذكر ورزق على ذلك قدرة ما كان قضاء لحق النعمة ، فوضعه الله أوقاتا للعبادة ، وأوقاتا للعادة ، فالنهار (٥) خمسة أقسام : الأول من الصبح إلى طلوع الشمس ، محلّ
__________________
(١) في م ، ش : به.
(٢) سورة الفرقان ، آية ٦٢.
(٣) في ش : في السياحة. وفي م : وفي.
(٤) في ش : من العمل.
(٥) في ا : والنهار.
![أحكام القرآن [ ج ٤ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3221_ahkam-alquran-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
