فإن قيل : لا حجة في هذه الآية ، لأن قوله تعالى : (أَسْكِنُوهُنَ) راجع إلى ما قبله ، وهي المطلقة الرجعية.
قلنا : لو كان هذا صحيحا لما قال : (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَ) ، فإنّ المطلقة الرجعية ينفق عليها حاملا كانت أو غير حامل ، فلما خصّها بذكر النفقة حاملا دلّ على أنها البائن التي لا ينفق عليها.
وتحقيقه أنّ الله تعالى ذكر المطلّقة الرجعية وأحكامها حتى بلغ إلى قوله تعالى : (ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) ، ثم ذكر بعد ذلك حكما يعمّ المطلقات كلهنّ من تعديد الأشهر وغير ذلك [من الأحكام] (١) ، وهو عامّ في كل مطلقة ، فرجع ما بعد ذلك من الأحكام إلى كل مطلقة.
المسألة الثالثة ـ قوله تعالى : (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ).
قد بينّا في سورة البقرة شيئا من مسائل الرضاع ، ووضحنا أنه يكون تارة على الأم ، ولا يكون عليها تارة.
وتحريره أنّ العلماء اختلفوا فيمن يجب عليه رضاع الولد على ثلاثة أقوال :
الأول ـ قال علماؤنا : رضاع الولد على الزوجة ما دامت الزوجية ، إلا لشرفها أو مرضها فعلى الأب حينئذ رضاعه في ماله.
الثاني ـ قال أبو حنيفة [والشافعى] (٢) : لا يجب على الأمّ بحال.
الثالث ـ قال أبو ثور : يجب عليها في كل حال.
ودليلنا قوله تعالى (٣) : (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) ، وقد مضى في سورة البقرة أنه لفظ محتمل لكونه حقا عليها أولها ، لكن العرف يقضى بأنه عليها ، إلا أن تكون شريفة ، وما جرى به العرف فهو كالشرط حسبما بيناه في أصول الفقه من (٤) أن العرف والعادة أصل من أصول الشريعة يقضى به في الأحكام ، [والعادة] (٥) ـ إذا كانت شريفة ـ ألّا ترضع فلا يلزمها ذلك. فإن طلقها فلا يلزمها إرضاعه إلا
__________________
(١) من ش.
(٢) ساقط من م ، ش ، والقرطبي.
(٣) سورة البقرة ، آية ٢٣٣.
(٤) في ش : مع.
(٥) من ش.
![أحكام القرآن [ ج ٤ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3221_ahkam-alquran-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
