وقرظ (١) مصبور في ناحية الغرفة ، وإذا أفيق (٢) معلّق ، فابتدرت عيناي ، فقال : ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ فقلت : ومالي لا أبكى ، وهذا الحصير قد أثّر في جنبك ، وهذه خزائنك لا أرى فيها شيئا إلا ما أرى ، وذلك (٣) كسرى وقيصر في الأنهار والثمار ، وأنت رسول الله وصفوته ، وقلت : ادع الله أن يوسّع لأمتك ، فقد وسّع الله على فارس والروم ، وهم لا يعبدون الله.
فاستوى جالسا ، وقال : أفي شكّ أنت يا ابن الخطاب! أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا (٤).
فقلت : استغفر لي يا رسول الله.
وإن عمر استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه ، فأذن له ، فقام عمر على باب المسجد ينادى : لم يطلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، ونزلت هذه الآية (٥) : (وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ، فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الأمر ، وأنزل الله تعالى آية التخيير.
وكان أقسم لا يدخل عليهنّ شهرا ، يعنى من أجل ذلك الحديث ، يعنى قصة شرب العسل في بيت زينب على ما يأتى (٦) بيانه في سورة التحريم.
هذا نصّ البخاري ومسلم جميعا ، وهو الصحيح الذي يعوّل عليه ، ولا يلتفت إلى سواه.
المسألة الثانية ـ هذا الحديث بطوله الذي اشتمل عليه كتاب الصحيح يجمع لك جملة الأقوال ، فإنّ فيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب على أزواجه من أجل سؤالهنّ له ما لا يقدر عليه ، لحديث جابر ، ولقول عمر لحفصة : لا تسألى رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________________
(١) في ا : قرط ، وهو تصحيف. مصبور : مجموع (النهاية).
(٢) أفيق : جلد لم يتم دباغه. وقيل : هو ما دبغ بغير القرظ (النهاية).
(٣) في م : وذكرت.
(٤) ابن ماجة : ١٣٩٠ ، ومسلم : ١١٠٧.
(٥) سورة النساء ، آية ٨٢.
(٦) سيأتى صفحة ١٨٣٢.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
