صلى الله عليه وسلم لا يحبك ، ولو لا أنا لطلّقك ، فبكت أشدّ البكاء.
ودخلت على أم سلمة لقرابتي منها فكلّمتها ، فقالت لي : وا عجبا لك يا ابن الخطاب! قد دخلت في كل شيء حتى تبغى أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أزواجه ، وإنه كسرنى ذلك عن بعض ما كنت أجد.
وكان لي جار من الأنصار ، فكنا نتناوب في النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فينزل يوما وأنزل يوما ، ويأتينى بخبر الوحى ، وآتيه بمثل ذلك ، وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل تغزونا ، فنزل صاحبي ، ثم أتانى عشيا ، فضرب بابى (١) ، وناداني ، فخرجت إليه ، فقال : حدث أمر عظيم. فقلت : ماذا؟ أجاءت غسان؟ فقال : بل أعظم من ذلك. فقلت : ما تقول! طلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه؟ فقلت : قد خابت حفصة ، وخسرت ، قد كنت أظنّ هذا يوشك أن يكون ، حتى إذا صلّيت الصبح شددت علىّ ثيابي ، ثم نزلت ، فدخلت على حفصة ، وهي تبكى. فقلت : أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت : لا أدرى ، هو هذا معتزل في هذه المشربة.
فأتيت غلاما أسود قاعدا على أسكفّة الباب مدليا رجليه على نقير (٢) من خشب وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينحدر. فقلت : استأذن لعمر ، فدخل ، ثم خرج ، فقال : قد ذكرتك له فصمت.
فانطلقت ، حتى أتيت المنبر ، فإذا عنده رهط جلوس يبكى بعضهم ، فجلست قليلا ، ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام ، فقلت : استأذن لعمر. فدخل ثم خرج إلىّ فقال : قد ذكرتك له فصمت ، فخرجت فجلست إلى المنبر ، ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام ، فقلت : استأذن لعمر ، فإنى أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنّ أنى جئت من أجل حفصة ، والله لئن أمرنى أن أضرب عنقها لأضربنّ عنقها.
قال : ورفعت صوتي ، فدخل ، ثم خرج ، فقال : قد ذكرتك له فصمت ، فولّيت مدبرا ، فإذا الغلام يدعوني ، قال : ادخل فقد أذن لك.
__________________
(١) في م : بيدي.
(٢) نقير من خشب : جذع ينقر ويجعل فيه شبه المراقي يصعد عليه إلى الغرف (النهاية).
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
