الآية الثانية ـ قوله تعالى (١) : (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ).
قال القاضي : هذه الآية لم يذكرها من طالعت كلامه في جميع الأحكام القرآنية ، وذكرها القرطبي في كتب الفقه خاصة منتزعا بها لجواز الوكالة من قوله : (الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) ، وهذا أخذ من لفظه ، لا من معناه ، فإن كلّ فاعل غير الله إنما يفعل بما خلق الله فيه من الفعل ، لا بما جعل إليه ، حسبما بيناه في أصول الدين. ولو اطرد ذلك لقلنا في قوله (٢) : (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) أنها نيابة عن الله تعالى ، ووكالة في تبليغ رسالته ، ولقلنا أيضا في قوله : (وَآتُوا الزَّكاةَ) أنه وكالة في (٣) أنّ الله ضمن الرزق لكلّ دابّة ، وخصّ الأغنياء بالأغذية ، وأوعز إليهم بأنّ رزق الفقراء عندهم ، وأمرهم بتسليمه إليهم ، مقدّرا معلوما في وقت معلوم ، ودبّره بعلمه ، وأنفذه من حكمه ، وقدّره بحكمته ، حسبما بيناه في موضعه.
ولا تتعلّق الأحكام بالألفاظ ، إلا أن ترد على موضوعاتها الأصلية في مقاصدها المطلوبة ، فإن ظهرت في غير مقصدها لم تعلّق عليها مقاصدها. ألا ترى أنّ البيع والشراء معلوم اللفظ والمعنى ، وقد قال الله تعالى (٤) : (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ...) الآية.
ولا يقال : هذه الآية دليل على جواز مبايعة السيد لعبده ، لأنّ المقصودين (٥) مختلفان.
وهذا غرض شبّ طوق أصحابنا عنه ، فإذا أرادوا لبسه لم يستطيعوا جوبه ، ولا وجد امرؤ منهم جيبه.
وقد تكلمنا على هذه الآية في المشكلين ، وأحسن ما قيدنا فيها عن الإسفراينى ، من طريق الشهيد أبى سعيد المقدسي ، أن الله هو الخالق لكلّ شيء ، الفاعل حقيقة لكل فعل ، في أى محل كان ، ومتى ترتّب المحال ، وتناسقت الأفعال فالكل إليه راجعون ،
__________________
(١) آية ١١ ، وهي أيضا في السورة قبل الآية التي سبقت. ولكن هكذا بالأصول.
(٢) سورة الأعراف ، آية ١٥٨.
(٣) في القرطبي : فإن الله ضمن ...
(٤) سورة التوبة ، آية ١١٢.
(٥) في القرطبي : المقصدين.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
