فبلغ ذلك عمر ، فأرسل إليه بالقدوم عليه ، وقال : إنى (١) والله يسوءنى ذلك. فقال له : يا أمير المؤمنين ، ما فعلت شيئا مما قلت ، وإنما كانت فضلة من القول ، وقد قال الله تعالى : (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ).
فقال له عمر : أمّا عذرك فقد درأ عنك الحدّ ، ولكن لا تعمل لي عملا أبدا.
المسألة السابعة ـ وقد كشف الخليفة العدل عمر بن عبد العزيز حقيقة أحوال الشعراء ، وكشف سرائرهم ، وانتحى معايبهم في أشعارهم ، فروى (٢) أنه لما استخلف عمر بن عبد العزيز رحمه الله وفدت إليه الشعراء ، كما كانت تفد إلى الخلفاء قبله ، فأقاموا ببابه أيّاما لا يأذن لهم بالدخول ، حتى قدم عدىّ بن أرطاة على عمر بن عبد العزيز ، وكانت له مكانة فتعرّض له جرير ، فقال (٣) :
|
يا أيها الرجل المزجى مطيّته |
|
هذا زمانك ، إنى قد خلا زمنى |
|
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه |
|
أنى لدى الباب كالمصفود (٤) في قرن |
|
وحش المكانة من أهلى ومن ولدي |
|
نائى المحلّة عن دارى (٥) وعن وطنى |
فقال : نعم ، أبا حزرة ونعمى عين.
فلما دخل على عمر قال : يا أمير المؤمنين ، إن الشعراء ببابك ، وأقوالهم باقية (٦) ، وسهامهم مسمومة.
فقال عمر : مالي وللشعراء! قال : يا أمير المؤمنين ، إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مدح وأعطى ، وفيه أسوة لكل مسلم. قال : ومن مدحه؟ قال : عباس بن مرداس السلمى ، فكساه حلّة قطع بها لسانه. قال : نعم ، فأنشده :
|
رأيتك يا خير البريّة كلها |
|
نشرت كتابا جاء بالحق معلما |
__________________
(١) في اللسان : إى والله.
(٢) القصة كلها في العقد الفريد لابن عبد ربه صفحة ٢٠٨ جزء أول ، وفي ثمرات الأوراق صفحة ٧١ جزء أول ، وفي قصص العرب جزء ثان صفحة ٢٤٢.
(٣) ديوانه ٥٨٨ ، وفيه : وقال لعون بن عبد الله.
(٤) صفده : أوثقه.
(٥) في الديوان : لا تنس حاجتنا لاقيت مغفرة قد طال مكثي عن أهلى ...
(٦) في م : ثاقبة.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
