وحقيقته السكون على حالة الإقبال التي تأهّب لها واحترم بها بالسر في الضمير ، وبالجوارح في الظاهر ، فقد كان النبىّ صلى الله عليه وسلم لا يلتفت في صلاته خاشعا خاضعا ، وكذلك كان أبو بكر لا يلتفت ، وكذلك كان حفيده عبد الله بن الزبير.
قال ابن المنكدر لعروة : لو رأيت قيام ابن الزبير ـ يعنى أخاه عبد الله ـ في الصلاة لقلت : غصن تصفّقه الرياح ، وحجارة المنجنيق تقع هاهنا ، ورضف عن يمينه وعن يساره وهو قائم يصلّى.
وقال مجاهد : كان ابن الزبير إذا قام يصلّى كأنه عود من الخشوع.
وقال عمرو بن دينار : إنّ ابن الزبير كان يصلّى في الحجر مرخيا ثيابه. فجاء حجر الخذاف ، فذهب بطائفة من ثوبه ، فما التفت ، وكذلك كان عبد الله بن مسعود إذا صلّى لا يتحرّك منه شيء ، ومن هاهنا قال العلماء وهي :
المسألة الثالثة ـ إنه يضع المصلّى بصره في موضع سجوده ، وبه قال الشافعى ، والصوفية بأسرهم ، فإنه أحضر لقلبه ، وأجمع لفكره.
وقال مالك : إنما ينظر أمامه ، فإنه إن حنى رأسه ذهب بعض القيام المنقوض عليه في الرأس ، وهو أشرف الأعضاء منه ، وإن أقام رأسه وتكلّف النظر ببصره إلى الأرض فتلك مشقّة عظيمة وحرج ، يعرفون ذلك بالتجربة ، وما جعل علينا في الدين من حرج ، وإنما أمرنا أن نستقبل الجهة ببصائرنا وأبصارنا ، أما إنه أفضل لمن قدر عليه متى قدر ، وكيف قدر ، وإنما الممنوع أن يرفع بصره في الصلاة إلى السماء ، فإنه لم يؤمر أن يستقبل السماء ، وإنما أمر أن يستقبل الجهة الكعبية ، فإذا رفع بصره فهو إعراض عن الجهة التي أمر بها ، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم (١) : لينتهينّ أقوام عن رفعهم أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفنّ أبصارهم ، وهي :
المسألة الرابعة ـ حتى قال علماؤنا ـ حين رأوا عامّة الخلق يرفعون أبصارهم إلى السماء ـ وهي سالمة : إنّ المراد بالخطف هاهنا أخذها عن الاعتبار حين يمرّ بآيات السماء والأرض ،
__________________
(١) صحيح مسلم : ٣٢١.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
