وجاءه : ويسألونك عن الروح ... الآية ، وزعموا أنه ناداهم الرّوح جبريل.
قال ابن إسحاق : وبلغنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة قال له أحبار يهود : بلغنا يا محمد أنّ فيما تلوت ـ حين سألك قومك عن الروح ـ وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ، فإيانا أردت بها أم قومك؟ فقال : كلّا أريدكم بها. قالوا : أو ليس فيما تتلو : إنا أوتينا التوراة فيها بيان كلّ شيء؟ قال : بلى ، والتوراة في علم الله قليل ، وهي عندكم كثير مجزئ ، فيذكرون ـ والله أعلم ـ أن هؤلاء الآيات نزلن عند ذلك : (وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ...) (١) إلى آخر الآيات.
وقد روى في الصحيح أن اليهود سألوه عن الروح بالمدينة ، وقد تقدّم ذلك من قبل.
وهو أصحّ.
المسألة الثانية ـ قوله تعالى : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ).
قال علماؤنا : هذا تأديب من الله لرسوله ، أمره فيه أن يعلّق كلّ شيء بمشيئة الله ، إذ من دين الأمة ومن نفيس اعتقادهم «ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن» ، لا جرم ، فلقد تأدّب نبيّنا بأدب الله حين علّق المشيئة بالكائن لا محالة ، فقال يوما ـ وقد خرج إلى المقبرة : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. وقال أيضا : وإنى والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير ، وكفّرت عن يميني.
المسألة الثالثة ـ فإذا ثبت هذا فقاله المرء كما يلزمه في الاعتقاد ، فهل يكون استثناء في اليمين أم لا؟
قال جمهور فقهاء الأمصار : يكون استثناء.
وقال ابن القاسم ، وأشهب ، وابن عبد الحكم ، وأسامة بن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن مالك : إن قوله تعالى : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) إنه إنما قصد بذلك ذكر الله عند السهو والغفلة ، وليس باستثناء.
وهذا الذي قاله مالك رضى الله عنه لم أجد عليه دليلا ، لأنّ الله ربط المشيئة ، وذكرها
__________________
(١) سورة لقمان ، آية ٢٧.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
