صبّارا ، وكان يأخذ لعياله قوت سنتهم حين أفاء الله عليه النضير وفدك وخيبر ، ثم يصرف ما بقي في الحاجات ، حتى يأتى أثناء الحول وليس عنده شيء ، فلم يدخل في هذا الخطاب بإجماع من الأمة ، لما هو عليه من الخلال والجلال ، وشرف المنزلة ، وقوة النفس على الوظائف ، وعظيم العزم على المقاصد ، فأما سائر الناس فالخطاب عليهم وارد ، والأمر والنهى ـ كما تقدم ـ إليهم متوجّه ، إلا أفرادا خرجوا من ذلك بكمال صفاتهم ، وعظيم أنفسهم ، منهم أبو بكر الصديق ، خرج عن جميع ماله للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقبله منه لله سبحانه ، وأشار على أبى لبابة وكعب بالثلث من جميع مالهم ، لنقصهم عن هذه المرتبة في أحوالهم ، وأعيان من الصحابة ، كانوا على هذا ، فأجراهم النبىّ صلى الله عليه وسلم ، وائتمروا بأمر الله ، واصطبروا على بلائه ، ولم تتعلّق قلوبهم بدنيا ، ولا ارتبطت أبدانهم بمال منها ، وذلك لثقتهم بموعود الله في الرزق ، وعزوب أنفسهم عن التعلّق بغضارة(١) الدّنيا.
وقد كان في أشياخى من ارتقى إلى هذه المنزلة فما ادّخر قطّ شيئا لغد ، ولا نظر بمؤخر عينه إلى أحد ، ولا ربط على الدنيا بيد ، وقد تحقّق أنّ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، وهو بعباده خبير بصير.
الآية السابعة ـ قوله تعالى (٢) : (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً).
فيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى ـ روى ابن مسعود عن النبىّ صلى الله عليه وسلم أنه سئل ، أىّ الذّنب أعظم؟ قال : أن تجعل لله نداء ، وهو خلقك. قال : ثم أى؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. وهذا نصّ صريح وحديث صحيح ، وذلك لأنّ القتل أعظم الذنوب ، إذ فيه إذاية الجنس ، وإيثار النفس ، وتعاطى الوحدة التي لأقوام للعالم بها ، وتخلّق الجنسية بأخلاق السبعيّة ، وإذا كانت مع قوة الأسباب في جار أو قريب ، والولد ألصق القرابة ، وأعظم الحرمة ، فيتضاعف الإثم بتضاعف الهتك للحرمة.
__________________
(١) الغضارة : النعمة والسعة والخصب.
(٢) آية ٣١. (١١ ـ أحكام ـ ٣)
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
