الثالث ـ أن كلّ من وصف وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذكر أنه مسح رأسه كله.
فإن قيل : فقد ثبت أنه مسح ناصيته وعمامته ، وهذا نصّ على البعض؟
قلنا : بل هو نصّ على الجميع ؛ لأنه لو لم يلزم الجميع لم يجمع بين العمامة والرأس. فلما مسح بيده على ما أدرك من رأسه وأمرّ يده على الحائل بينه وبين باقيه أجراه مجرى الحائل من جبيرة أو خفّ ، ونقل الفرض إليه كما نقله في هذين.
جواب آخر ـ وهو أنّ هذا الخبر حكاية حال وقضية في عين ؛ فيحتمل أن يكون النبىّ صلّى الله عليه وسلم مزكوما فلم يمكنه كشف رأسه ؛ فمسح البعض ومرّ بيده على جميع البعض ، فانتهى آخر الكفّ إلى آخر الناصية ، فأمرّ اليد على العمامة ، فظن الراوي أنه قصد مسح العمامة ، وإنما قصد مسح الناصية بإمرار اليد ؛ وهذا مما يعرف مشاهدة ، ولهذا لم يرو عنه قطّ شيء من ذلك في أطواره بأسفاره على كثرتها.
المسألة الثامنة والعشرون ـ ظنّ بعض الشافعية وحشوية النحوية أنّ الباء للتبعيض ، ولم يبق ذو لسان رطب إلا وقد أفاض في ذلك حتى صار الكلام فيها إحلالا بالمتكلم ، ولا يجوز لمن شدا (١) طرفا من العربية أن يعتقد في الباء ذلك ، وإن كانت ترد في موضع لا يحتاج إليها فيه لربط الفعل بالاسم ، فليس ذلك إلا لمعنى ؛ تقول : مررت بزيد ، فهذا لإلصاق الفعل بالاسم ، ثم تقول : مررت زيدا فيبقى المعنى. وفي ذلك خلاف بيانه في ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين ، وقد طال القول في هذا الباب ، وترامت فيه الخواطر في المحاضر حتى أفادنى فيه بعض أشياخى في المذاكرة والمطالعة فائدة بديعة :
وذلك أن قوله : (فَامْسَحُوا) يقتضى ممسوحا ، وممسوحا به. والممسوح الأول هو ما كان. والممسوح الثاني هو الآلة التي بين الماسح والممسوح ، كاليد والمحصّل للمقصود من المسح ، وهو المنديل ؛ وهذا ظاهر لا خفاء به ؛ فإذا ثبت هذا فلو قال : امسحوا رءوسكم لأجزأ المسح باليد إمرارا من غير شيء على الرأس لا ماء ولا سواه ، فجاء بالباء لتفيد ممسوحا به ، وهو
__________________
(١) شدا طرفا من العربية : أخذ طرفا منها.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
