الخامس ـ الطلب ، يقال : عفيته واعتفيته ، ومنه قوله : ما أكلت العافية فهو صدقة ، ومنه قول الشاعر :
تطوف العفاة بأبوابه (١)
وإذا كان مشتركا بين هذه المعاني المتعددة وجب عرضها على مساق الآية ، ومقتضى الأدلة ؛ فالذي يليق بذلك منها العطاء أو الإسقاط ؛ فرجّح الشافعىّ الإسقاط ؛ لأنه ذكر قبله القصاص ، وإذا ذكر العفو بعد العقوبة كان في الإسقاط أظهر [٣٨].
ورجّح مالك وأصحابه العطاء ؛ لأن العفو إذا كان بمعنى الإسقاط وصل بكلمة «عن» ، كقوله تعالى (٢) : (وَاعْفُ عَنَّا) ، وكقوله : عفوت لكم عن صدقة الخيل. وإذا كانت بمعنى العطاء كانت صلته له ؛ فترجّح (٣) ذلك بهذا ؛ وبوجه ثان ، وهو أن تأويل مالك هو (٤) اختيار خبر القرآن ومن تابعه كما تقدم ؛ وبوجه ثالث ، وهو أن الظاهر في الجزاء أن يعود على ما يعود عليه الشرط ، والجزاء عائد إلى الولىّ ، فليعد إليه الشرط ، ويكون المراد بمن ، من كان (٥) المراد بالأمر بالاتباع.
الرابع ـ أنه تعالى قال : «شيء» ، فنكّر ، ولو كان المراد القصاص لما نكّره ، لأنه معرّف ؛ وإنما يتحقّق التنكير في جانب الدّية وما دونه. وينفصل أصحاب الشافعى عن ترجيح المالكية بأنّ العلّة (٦) تتحقق إذا كان معنى عفا أسقط ؛ لأن تفسيره «ترك» وكلمة «له» تتصل بترك ، كما تتصل بأخذ.
وأما قول ابن عباس فقد اختلف في ذلك ؛ فروى عنه أنه قال بمثل قولنا. وأما الجزاء فقد يعود على من لا يعود عليه الشرط ، فتقول : من دخل من عبيدي الدار فصاحبه حرّ ، وإن دخل عمرو الدار فعبدي حر. وأما فصل النكرة فغير لازم ؛ فإن القصاص قد يكون
__________________
(١) صدر بيت للأعشى ، وتمامه :
كطوف النصارى ببيت الوثن
ديوانه : ٢١ ، واللسان ـ مادة عفا. والعافي : كل من جاءك يطلب فضلا أو رزقا.
(٢) سورة البقرة ، آية ٢٨٦
(٣) في ا : صلة له. وفي م : فرجح ذلك بهذا.
(٤) في ا : هذا.
(٥ ـ ٦) في ا : الصلة.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
